مؤتمرات الجبهة الشعبية والمؤامرات المغربية، الاستهداف الجديد-القديم(بقلم: محمد هلاب)

في إطار استراتيجياتها المعهودة (الجديدة-القديمة)، خاصة مع اقتراب موعد أي مؤتمر لجبهة البوليساريو أو أي فعل في إطار تصفية الاستعمار من الصحراء الغربية، تقوم مخابرات الاحتلال المغربي بالتكثيف من نشاطاتها العدائية للتصدي لذلك وبكل ما أوتيت من قوة وبكل الوسائل والأساليب، وعلى رأسها –وللأسف شئنا أم أبينا يبدو أنها متقدمة فيه- محاولة تأليب الرأي العام الداخلي على الجبهة والتأثير على نشاطاتها، وذلك –كما أشرنا له في مقالات سابقة- إما بالحرب الدعائية (البروباغاندا) وبث الاشاعة والركوب على أي تحرك مطلبي مهما صغر حجمه داخل مخيمات اللاجئين الصحراويين، أو عن طريق سلاحها الفتاك، المتمثل في المخدرات، في وجه صمود شعبنا والجبهة واختراقه لتمركزات قوات جيشنا في مناطقنا المحررة ووصوله إلى مخيماتنا.

وفي هذا الإطار، لا بأس من التذكير بالمخطط الخبيث الذي كشفتْ عنه معلوماتٌ دقيقة من داخل المغرب، والمتمثل في سعي أجهزة مخابرات الاحتلال المغربية لتفكيك الجسم الصحراوي وفصله عن الجبهة، وتحديد السنة الجارية (2022) كسقف زمني لذلك.

ومن الطبيعي جدا أن تتسارع وتيرة الأحداث في هذا الوقت بالذات، فالمؤتمر السادس عشر لجبهة البوليساريو ينعقد مع مطلع العم 2023، والمحتل المغربي يرى الاستعدادات جارية على قدم وساق؛ فكيف إذن لا نرى ما نراه أو نسمع ما نسمعه أو حتى نقف على الكثير مما يعيق أو يعطل التقدم في مسيرة كفاحنا نحو الهدف المنشود؟

مؤتمرات البوليساريو ومؤامرات المخابرات المغربية المكشوفة

كلنا تابع ويُتابعُ وبمرارة وحرُقة –وإن كان مُعظمه إن لم نقل كله عبر وسائل التواصل الاجتماعي- ما يدور من مشاكل سببها المخدرات، تماماً كما تابعنا، والجميع يتذكر، نفس السيناريوهات قبل كل مؤتمر، إما بالترويج لضرب مكان عقده أو لعقد مؤتمر موازِ أو التهديد باختطاف أجانب مُشاركين… إلخ؛ وهي محاولات لا تقتصر على قرب انعقاد المؤتمر فحسب، وإنما على غيره من المناسبات الوطنية، والدلائل والشواهد كثيرة، خاصة في السنوات الأخيرة، ولا يتسع المقام هنا للوقوف عليها وتعدادها جميعها.

وبما أن موضوعنا هنا هو المؤتمر الـ16 وما يحاك قبله، فلا بأس من التذكير ببعض سيناريوهات المخابرات المغربية تزامنا والمؤتمرات الثلاثة الأخيرة، وصولا إلى المؤتمر القادم، على سبيل المثال لا الحصر.

المؤتمر الثاني عشر

آنذاك، وفي إطار التحضير لعقد جبهة البوليساريو لمؤتمرها الثاني عشر (مؤتمر الشهيد مسعود أمبارك أحمد لحسن/ التفاريتي المحررة-ديسمبر 2007)، كانت مخابرات الاحتلال المغربية تطبخ على نار هادئة مسرحية من مسرحياتها المكشوفة، أعدت لها كل الترتيبات، قبل أن تعطي تعليماتها لما كان يُسمى آنذاك “المجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية” (كوركاس) ودعمه بكل المتطلبات من أجل تنظيم “مؤتمر أكْجيجيمات” بالتوازي مع مؤتمر الجبهة، والذي روجت له وسائل الاعلام المغربية تحت عناوين عريضة، مُفكِّكَةً بـ”التحليل” نص بيان كتب في الرباط، جاء فيه على لسان من وصفه بالمؤتمرين أنهم نظموا مؤتمرهم بناءً على “عدم الديمقراطية والشفافية لدى قيادة جبهة البوليساريو الحالية، وتسلط كثير من أعضائها، ومصادرتهم لمستقبلنا”، وبناء على “أن المطالبة بالمستحيل تلحق أضرارا كبيرة بأهالينا على المدى القريب والبعيد”.

ليتبين من خلال ما نصت عليه خلاصات ذات البيان، أن الأمر لا يعدو كونه ترويجٌ لمقترح المغرب للحكم الذاتي الذي ولد ميتاً، ونزْعِ صفة تمثيل جبهة البوليساريو للشعب الصحراوي والتفاوض باسمه، وإحلال محلها “الكوركاس” الذي انتهى أمره فترة قصيرة بعد انتهاء مسرحية “أكْجيجيمات”.

المؤتمر الثالث عشر

وفيما يخص الفترة التي سبقت التحضير للمؤتمر الثالث عشر للجبهة (مؤتمر الشهيد المحفوظ علي بيبا/ التفاريتي المحررة-ديسمبر 2011) حاولت مخابرات الاحتلال المغربية التأثير على الحدث من نافذة الإرهاب وحقوق الإنسان، مُستغلة الحدث الذي خططت له ونفذته بنفسها عن طريق اختطاف المتعاونين الأوروبيين من المخيمات في 2010، وربط ذلك بما وصفته بـ”ضعف الجبهة وعدم قدرتها على حماية مناطق نفوذها”، وكذلك اللعب على ورقة حقوق الإنسان والادعاء بانتهاكها من طرف الجبهة، بعد أن أحكمت الأخيرة سيطرتها التامة على كل مناطق نفوذها بعد كشفها لمخططات مخابراتية مغربية كانت تهدف إلى اختطاف أجانب مشاركين في المؤتمر.

المؤتمر الرابع عشر

وقبل المؤتمر الرابع عشر لجبهة البوليساريو (مؤتمر الشهيد الخليل سيد امحمد/ ولاية الداخلة- ديسمبر 2015)، عمدت مُخابرات الاحتلال المغربية إلى تكليف أحد أذرعها بالتشويش عليه أياماً قليلة قبل انعقاده، بكتابة بيان آخر من الرباط وختمِه باسم “خط الشهيد” بتاريخ 14 ديسمبر 2015، وتوزيعه عبر وسائل إعلامها، جاء فيه أن القيادة المزعومة لذلك الخط قد عقدت “اجتماعا طارئا” في منطقة زوكْـ، وأن “القيادة الحالية للجبهة، إذا ما أصرت على مواصلة تمسكها بالسلطة عبر المؤتمرات المسرحية، تعتبر قيادة غير شرعية وبالتالي فهي ليست مخولة للتفاوض أو التحدث باسم الشعب الصحراوي”.

المؤتمر الخامس عشر

نفس السيناريو يتكرر، وإن كان بطريقة مختلفة، إلا أنه يروم نفس الأهداف بسلاح الدعاية وبث الاشاعة، استغلت فيه مخابرات الاحتلال المغربي عصارة تفكير وجهود ما أسمتهُ بـ”منصاتٍ من أجل الترافع الرقمي عن قضية الصحراء” التي أعطيت انطلاقتها في ديسمبر من سنة 2016 بإشراف من رئاسة الحكومة المغربية نفسها، هذه المنصات التي تضم عناصر مندسة بيننا في المناطق المحتلة والمناطق المحررة والمخيمات وفي المهجر، تكمن مهمتهم الأساسية في الاشتغال ليلَ نهار عبر وسائل التواصل الاجتماعي (واتساب وفيسبوك خاصة) مُستغلة نقاط ضعفنا الكثيرة، لكوننا مجتمع تفعل فيه الاشاعة ما تفعله النار في الهشيم، وكذلك لحداثة عهدنا بشبكة المعلومات الدولية (الانترنيت) وعدم استغلال إيجابياتها، ولحاجتنا الماسة إلى مصادر رزقِ وسط ظروف دولية محيطة طغى عليها النظام الرأسمالي، حتى أصبح المال عندنا غاية تبررُ الوسيلة التي نحصل عليه بها، ومهما تكن، ومن هنا وجدتْ فينا مخابرات الاحتلال المغربي الأرض الخصبة لتمرير مخدراتها إلينا وتحرص على ترويجها بيننا أكثر من حرصها على وصولها لأي مكان آخر من العالم؛ وفعلتْ فينا المخدرات ما فعلته، وستظل إن لم نعمل، ومن خلال المؤتمر القادم  -على أبعد تقدير- على وضع خطة صارمة وحازمة للوقوف في وجهها والتصدي لها، بل وجعل ذلك على رأس أولويات الأولويات.

المؤتمر السادس عشر

مسرحية أخرى بأدوات صحراوية مثلت بجزر كناريا عبر مجموعة الاستسلام، تهدف أساسا الى انتزاع تمثيل الجبهة الشعبية للصحراويين والتي باءت بالفشل هي الأخرى بعد تفكك مورديها و انشقاقهم عقب فشلهم في موسم الحصاد الدنيء و تخلي المخابرات المغربية عنهم لما جنات ما تعتقد انه نتائج دبلوماسية لم تتجاوز الحدود الكنارية، كذلك تسعى الأجهزة المغربية المخابراتية الى توظيف النعارات القبلية و التشكيك في الأصول و اقتطاع الأراضي و تشجيع الفتن و تسهيل عبور المخدرات و ترويجها في المناطق المحتلة و مخيمات العزة و الكرامة من اجل المساهمة في تفكيك الشعب الصحراوي و بت روابطه الاجتماعية تحضيرا لخطوات اشد فتكا في مراحل متقدمة.

استنتاجات

من خلال ما سبق، لا يحتاج القارئ والمتتبع لأدنى جهد لفهم المغزى والهدف من محاولات المخابرات المغربية، التي يكفي فقط أن نوضحها بالتسطير تحت فقرات من البيانين الموازيين للمؤتمرين الـ12 والـ13، حيث ورد في الأول “عدم الديمقراطية والشفافية لدى قيادة جبهة البوليساريو الحالية، وتسلط كثير من أعضائها، ومصادرتهم لمستقبلنا”، بل وذهب نفس البيان إلى أكثر من ذلك بوصفه مطلب الاستقلال لدى الشعب الصحراوي بالمستحيل، بقوله “أن المطالبة بالمستحيل تلحق أضرارا كبيرة بأهالينا على المدى القريب والبعيد”.

كما جاء في البيان الثاني: “تعتبر قيادة (الجبهة) غير شرعية وبالتالي فهي ليست مخولة للتفاوض أو التحدث باسم الشعب الصحراوي”.

وهذه الفقرات تحيلنا بالضبط إلى بداية المقال، عندما أشرنا إلى أن الهدف الأسمى لمخابرات الاحتلال المغربي يتمثل أساساً في ضرب مصداقية جبهة البوليساريو والتشكيك في تمثيلها ومحاولة عزلها وفصلها عن الشعب الصحراوي، وضرب وحدة صف هذا الأخير.

خـــــلاصة:

وفي المحصلة، لا يمكن بأي شكل من الأشكال لوم نظام الاحتلال المغربي على محاولاته تشتيت عدوه الأساسي والمصيري، الشعب الصحراوي، بكل السبل، رغم مؤاخذاتنا على أساليبه القذرة خصوصا، والتي تدل بكل وضوح على انه نظام خبيث، ومتعفن، لا يشرف أي إنسان شريف أن يعيش تحت سلطته، إلا أن اللوم كل اللوم يستحقه ممن ما يزال يصدق أكاذيبه، ويتأثر بدعاياته، بل ويسقط في أفخاخه الواضحة وضوح الشمس.

وبطبيعة الحال، نعاتب بالخصوص أي مناضل صحراوي يصدق الدعايات المغربية ويسقط في حبالها، بل ونرى بعضنا ينساق مع حملات الذباب الاليكتروني للمخابرات المغربية، يروج فيديوهاته المزورة، ويهاجم الجبهة مطالبا إياها بتوضيح موقفها من تلك أو تلك القضية التي يبثها المخزن، وهو بذلك، يساعد الذباب الاليكتروني المغربي في إنجاز أهدافه.

وبالمقابل، لا يسعنا أيضا إلا أن نحيي جميع المناضلين الذين ينتبهون بسرعة لهذه الألاعيب، ويعملون على مواجهتها، ونحييهم على جهودهم، ونقول بأن منصات التواصل الاجتماعي يجب أن تستغل بشكل أفضل من قبلنا جميعا لكشف فظاعات الاحتلال، وكشف خططه، والتركيز بالخصوص على توعية الرأي العام العالمي بشأن تورط نظام الاحتلال المغربي في إحدى أبشع جرائم العصر، جريمة الاحتلال والاستعمار.

بقلم: محمد هلاب (بتصرف من هيئة التحرير لجريدة الصحراء الحرة)