الأخباردوليامقالات

من الحيرة إلى سبتة: حين تبحر الأحلام وتعود بخفي حنين(بقلم :محمد مولود مولاي لحسن)

​يمتد التاريخ الإنساني عبر محطات متكررة تشهد على أن النفس البشرية، حين تعميها الإغراءات ويحركها الطمع في المكسب السريع، تقع غالبا في مصيدة الخسران. ولعل من أشهر ما أورثته لنا الأدبيات العربية في هذا الباب هو المثل الشهير “رجع بخفي حنين”، القصة التي خسر فيها أعرابي ناقته ومتاعه ركضا خلف خفين لا قيمة لهما، ليعود إلى قومه حافيا إلا من قطعة جلد، يجر أذيال الخيبة والندم. واليوم، يجد المتابع لما شهده شريط الأحداث في مدينة سبتة المحتلة خلال موجات الهجرة غير الشرعية إسقاطا حيا ومأساويا لهذه القصة التاريخية؛ سيناريو تتكرر فيه نفس الدراما الإنسانية، ولكن بأدوات ومفاهيم معاصرة تتجلى في الوهم، والاندفاع، والنتيجة الصادمة.
​تبدأ المشابهة من نقطة السراب والإغراء، حيث استدرج الإسكافي حنين الأعرابي بحيلة بسيطة حين ألقى له بالخف الأول على الطريق ليغريه، فتحركت في نفسه غريزة الطمع ورأى فيها فرصة لا تفوت. وعلى النحو ذاته في واقعة سبتة، عاش مئات الشباب والقاصرين المغاربة تحت تأثير إغراءات مشابهة تمثلت في شائعات متداولة عبر شبكات التواصل الاجتماعي، ووعود وردية بالعبور السهل نحو الضفة الأوروبية وتكديس الأموال. انقاد هؤلاء الشباب خلف الخف الأول المعلق في الهواء، وظنوا أن سبتة هي البوابة السحرية نحو عالم الثراء والرفاهية، فانساقوا خلف السراب دون تفكير في التبعات.
​ثم تتبدى المأساة في لحظة التضحية بالثمين لابتغاء الرخيص؛ ففي القصة القديمة اتخذ الأعرابي قرارا أحمقا عندما نزل عن ناقته التي تمثل أصله ومصدر عيشه ووسيلة تنقله، وتركها غير محمية ليركض ماشيا نحو الخف الذي تركه خلفه. وعلى شواطئ سبتة، كرر الشباب المأساة ذاتها حيث ضحوا بأغلى ما يملكون، إذ ألقوا بأنفسهم في أتون أمواج البحر المتلاطمة، وغامروا بأرواحهم وسلامتهم الجسدية والنفسية، وفرطوا في استقرارهم البسيط بين أهاليهم. وكان من نتيجة هذا الاندفاع أن خسر كثير منهم وثائقهم الرسمية وهواتفهم وملابسهم بل وحسهم الأمني، كل ذلك ركضا خلف خف الوعود الزائفة.
​وتأتي الصدمة الحاسمة في المشهد الختامي، فكما عاد الأعرابي ولم يجد الناقة ولا المتاع، بل وجد نفسه في العراء لا يملك إلا زوج الأحذية ليدخل على قومه بأيدي صفر، آلت رحلة هؤلاء الشباب إلى المصير نفسه. لقد اصطدمت طموحاتهم بجدار السلطات الإسبانية وطوق الحدود الفولاذي، وتم طرد وإعادة الغالبية الساحقة منهم قسرا. وعوضا عن العودة بالسيارات الفارهة والأموال المحققة، عاد أولئك الشباب حفاة عراة بثياب ممزقة وبأجساد أنهكها البرد والبحر، مجردين حتى من أسباب الحياة الأساسية التي خرجوا بها.
​إن مأساة الهجرة غير الشرعية عبر سبتة ليست مجرد حدث عابر في الأخبار، بل هي تجسيد معاصر لمثل عربي ضارب في القدم. لقد وقف الأهالي عند نقاط الحدود يستقبلون أبناءهم المنكسرين، تماما كما وقف قوم الأعرابي يتساءلون عما جلبوه من سفرهم، لتتغير الأزمنة وتختلف الأماكن، وتتحول الناقة إلى مستقبل والحيلة إلى بحر، بينما تظل العبرة واحدة: من ترك ما في يده ركضا خلف السراب، يرجع دوما إلى دياره حافيا بخفي حنين.