البوليسارويو .. حركة التحرير العربية التي خذلها العرب(بقلم: محمد السالك أحمد)

من عمق شمال إفريقيا، إنبلج ذات يوم نور من قبس المحيط الأطلسي، يرنو إلى تحرير شعب في أقصى غرب الوطن العربي و الذي رزح لعقود مأساوية تحت وطأة أغشم إستعمار عرفته البشرية، بعيدا عن أعين العالم.
و بعيدا جدا عن عيون الكاميرات و رؤوس الأقلام السيالة بين تلال و أودية تلك الربوع الصحراوية المغفرة، إجتمع ثلة من الشباب الصحراوي ذوي التكوين الأكاديمي و العسكري المتقدم ولكن بخبرات سياسية تكاد تكون منعدمة إلا من تلك المكتسبات و المنهولات العلمية من أمهات الكتب، إجتمعوا لصك العملة الجديدة ذات القيمة الأبدية لقيادة ثورتهم الحالمة الى تحقيق حلمهم الوردي الذي راودهم بعد سنوات طويلة من الاستعمار الأجنبي.
البوليساريو كثورة تحرير و تحرر من عمق الصحراء الغربية، أول ما نادت به وحدة أقطار العرب و تمتين لحمة القومية العربية من خلال بيانها التأسيسي الذي تمت صياغته بلغة عربية جزلة و جمل بسيطة واضحة جدا توحي بأهمية الكيان العربي بالنسبة للأباء المؤسسين للجبهة و الذين كانت لهم نظرة أوسع و أشمل لمستقبل المنطقة في ظل وحدة التفكير و المصير المشترك للأمة العربية.
“إزاء تشبث الاستعمار بالبقاء مسيطراً على شعبنا العربي الأبي، ومحاولة تحطيمه بالجهل والفقر والتمزق وفصله عن الأمة العربية.”، بدافع الخوف الحقيقي من سياسات التجهيل الممنهجة من خلال الانتشار الواسع للمدارس الاسبانية و فصل الشعب العربي المسلم عن جذوره الأصيلة بمنع التدريس باللغة العربية و صد أبواب الكتاتيب القرآنية و حرق المكتبات مع صعوبة الوصول الى المصادر العربية التثقيفية، كان من أبرز الأسباب المباشرة لنشأة الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء و وادي الذهب في منطقة الصحراء الغربية.
فالثوابت العربية المهددة حينها في أرض الصحراء الغربية المستعمرة حينها من طرف الإسبان، شكلت هاجسا قوميا في ذهن الشهيد الولي مصطفى السيد و رفاقه الذين كانوا يشاهدون بحسرة ما يتعرض له الشعب الصحراوي من إبادة بشعة و سلخ ثقافي مريع يفرض وقتها ضروري إعلان ثورة تحررية شاملة تحرر الإنسان و الأرض من براثن الإستعمار الإسباني المضمر.
الإستجابة العربية لهذا النداء الثوري النبيل الذي دوى صداه يوم 10 ماي 1973، كانت مخجلة بحق. ففي الوقت الذي كان من المفروض على بعض الجبهات العربية الثائرة حينها و التي كان بعضها هو الآخر يحمل فكرا تحرريا و مبادىء ثورية صرفة أن تتخذ مواقف مشجعة و جريئة تجاه حركة البوليساريو العربية حديثة النشأة و كونها تتقاطع معهم في نفس المباديء و الأهداف كالتخلص من الإستعمار الأجنبي للوطن العربي و تمكين الشعوب العربية من إستغلال ثرواتها الطبيعية بحرية مطلقة؛ إلا أنهم لاثوا بصمت و تنكروا للنداء الأخوي ة النخووي.
الحلم الصحراوي بالإحتضان العربي منذ مهد الثورة العربية جوبه بنكسات و خذلان شنيع عبر التجاهل الجاهلي و المؤامرات الدنيئة و نكران الإعتراف بعروبة الدم و عروبة اللسان و الجهر بالعداوة الغير مبررة حتى في المحافل الدولية التي أستنصروا فيها العدو على الشقيق.
و قد توالى الخذلان العربي للشعب الصحراوي خلال حربه التحريرية مع المملكة المغربية عبر الدعم السخي في تمويل العدوان بالخطط العسكرية و المال العربي السائب الذي شارك بفخرهم الشديد الدناءة في تقتيل و تشريد الشعب الصحراوي العربي المسلم.
رغم ذلك، تظل المواقف المشرفة للثورة الجزائرية، الليبية، اليمنية و السورية و بعض القوى العربية الثورية التي عززت كفاح الشعب الصحراوي في باكورة عمله النضالي وسام خلود يعتز به كل صحراوي أينما حل و إرتحل.
و مع العلم بشريفه للعرب في بيان تأسيس كيانه الناظم لوحدته الوطنية و القومية “البوليساريو”؛ يظل القطر العربي “يذبح بالدافر” كل الشرائع و القوانين التي تشرع نهج و كفاح الشعب الصحراوي المحتل بنسج المؤامرات و الدسائس مع قوة الإحتلال المغربي في الصحراء الغربية عبر أكشاك أشباه القنصليات و المواقف السياسية الجائرة التي أصبح يرعاها الكيان الصهيوني في واضح نهاره.
و ما دام أن الدم العربي صار ممزوجها برائحة الصهائنة في آخر شطحات العربي المذبوح، فإن أمل الشعب الصحراوي في إستجداء القومية العربية و الذي كان ممكنا في الزمن السابق، صار مستحيلا في وقتنا الراهن الذي يفرض على البوليساريو تمتين العلاقات أكثر مع الحلفاء “الكاشحين عن أوجاهم” و التوكل على الله.