التآمر على البوليساريو…لماذا يغدو الفشل ذريعا ؟

لم تسلم البوليساريو، كتنظيم طلائعي عبر تاريخه ، من سياسات المرافقة المشبوهة، التي انتهجتها أنظمة معادية . فمنذ البدايات، رافق المشروع التحرري الوطني الصحراوي ، أجندات القرصنة و مسارات الإختراق، عبر التنظيمات الموازية…

يعلمنا تاريخ الإنسانية ، أن تحرك الشعوب نحو نيل الاستقلال والكرامة ، كان محفوفا في الغالب، بمحاولات الاحتواء من طرف أعدائها ؛ بشتى أساليب، التشويش والتشكيك والعرقلة . تارة بمسميات وطنية، وفي مرات أخرى، تحت يافطات الديمقراطية، و السلام و الخلاص!!

انتظر الاستعمار الإسباني، المؤتمر الثاني للبوليساريو ، ليعلن عن تأسيس ، حزب الإتحاد الوطني الصحراوي “البونس” ، في 20 اغسطس 1974، والذي جاء كمحاولة لمزاحمة البوليساريو ، والحد من تأثيرها المتسع، وانتشارها الكاسح ، و لتبيان أن الموقف الشعبي الصحراوي ،من التواجد الاستعماري، غير موحد، ويحمل رؤى متباينة. لكنه سرعان ما فشل، في شلّ حركة التاريخ، و في كسر الالتفاف، على الوليد الثوري؛ الذي نجح في طرد المستعمر، في زمن قياسي. ومع رحيل هذا الأخير؛ اختار بعض زعماء “البونس” الإنخراط في الأجندة الجديدة، ورسكلة أنفسهم، في المنظومة الاستعمارية الجديدة؛ بمسميات مختلفة، ولكن بذات الأهداف و الغايات… في الوقت الذي أجمع و خصّ، الشعب الصحراوي، الجبهة الشعبية، بوحدانية التمثيل ومرجعيته.. وهو ما أكدت عليه، بعثة تقصي الحقائق الأممية في تقريرها، إبان زيارتها للمنطقة مارس 1975….لقد تشرّب الشعب الصحراوي، عقيدة البوليساريو ، كمُثّل وقيم ومبادئ ، وتمثّلها قاطبة .. حتى غدت منه بمثابة الروح من الجسد…

و في سبيل تأصيل دعواه الاستعمارية، جاءت محاولات تخليق المسمّيات و فرض الوصاية، و التبني المشبوه، والتي كانت حاضرة، لضرب مسار كل حركة تحرر وطنية ؛وهي تكاد تكون أساليب تقليدية معهودة لدى كل مستعمر…

و تزامنا مع بدايات التفاعلات الوطنية، مع مطالب الاستقلال، وتشكل الوعي الوطني…كانت حركة الرجال الزرق “الموريهوب” سنة 1972 ، و “جبهة التحرير والوحدة” المغربيتان ؛ أكبر و أبلغ الدلائل، على ما يحاك ضد الشعب الصحراوي… وهي محاولات مكشوفة ، دفع بها، نظام السفاح، الحسن الثاني ، لمجاراة واحتواء، ما يعتمل في المنطقة …

وإبان المناورات المغربية-الموريتانية، لتبرير الاجتياح، و احتلال الصحراء الغربية ، وتنفيذ مشروع التقسيم، منتصف السبعينات من القرن الماضي ، قدم البلدان لمحكمة العدل الدولية، حزمة من الأباطيل، والأراجيف المتنوعة والمتعددة ، اختيرت لها، و بصورة مضحكة، أدوات صحراوية، وبريد صحراوي، وأحلام من التوسع، و شهية مفتوحة للإبتلاع و الإقبار!!!

فعمد نظام الرئيس الموريتاني ، المخطار ول دداه ، على تفريخ “جبهة تحرير الصحراء وضمها “..

وبعد قمة نيروبي 1981، التي قبل فيها الحسن الثاني، تنظيم استفتاء لتقرير مصير الشعب الصحراوي ، أعلن في شهر اغسطس ، عن إنشاء ما يسمى “المجلس الاستشاري للشؤون الصحراوية ”…. وهي نسخة رديئة، سيئة التنقيح ، من محاولات التشويش، عبر بعث الروح، في هيئة شبحية، من خلال تسطير الهيكلة، والانتقال نحو المأسسة، كاستجابة للظروف و المعطيات الجديدة، التي فرضتها تطورات الحرب ، و لاستيعاب وامتصاص، وقع الهزيمة العسكرية، وماترتب عليها من ضغط دولي، لفرض الحل …

وبعد ما يرْبو على عقدين من الزمن ، وقبيل اقتراح الإسبان والأمريكيين ، لما يسمى بمشروع “الحكم الذاتي” ، اعلن ملك الإحتلال ، محمد السادس، في 2006، تأسيس ما يسمى “بالكوركاس”، لنفس الأهداف و المخططات. أي أنه، و أمام المحطات و التحولات الكبرى، التي تعرفها القضية الصحراوية، يسارع نظام الإحتلال – في كل مرة – ومن ورائه الأطراف المعادية ، إلى محاولة المحاصرة، بإختراع الخط الموازي، والدفع ببعض الأدوات ، إلى واجهة الأحداث، خدمة لتلك الأجندات …
المفارقة العجيبة، هي ان هذه المرة، وبعد فشل النظام الإسباني و المغربي ، كلٌّ على حِدَة ، ينخرط الثنائي المذموم، في تفريخ صنيعة مشوّهة ، ولدت ميتة، في محاولة جديدة للتأثير البصري، تروم الدخول من بوابة التآمر المشترك الذي يرى رعاته، من الاشتراكيين الإسبان ( ثاباتيرو – بونو – اغيلار) ، ان إزاحة البوليساريو، من مشهد الحل، هو السبيل الحصري، الذي يفضي إلى تصفية القضية الصحراوية، بدلا من تصفية الإستعمار!!

فأمام اختبار الثوابت الوطنية والتاريخ… لم ينجح احد!!

والحقيقة أنه، مهما كثر المتآمرون، فلا أحد يمكنه، أن ينجح في التآمر عليك، إذا لم تتآمر على نفسك….
وهنا يزداد تعويل، اولئك المتآمرون، على رهان الأوضاع الداخلية الصحراوية…

والحال هذه ، فحريّ بالنخب الوطنية ، تفادي الإنغماس في الممارسة السياسوية السلطوية؛ إذ أن الأخيرة، مدعاة لإقبار المشاريع الثورية والوطنية الكبرى…. ولكنها بالمحصلة، ليست مبررا ، يجعل منها مطية، للإنخراط في انحرافات لا وطنية، تُبعد الجميع عن الوطن …إنطلاقا من التلاعب بفكرة الوطن والوطنية، كقيمة مرجعية، لتبرير المشاريع الانحرافية…
ذلك أن أي إنغماس من ذلك القبيل؛ هو الذخيرة المجانية، التي قد تمنحها الغفلة، لكل متربص و متآمر…

إن الانتقال إلى السرعة القصوى، نحو الفعل الوطني ، المؤثر و الحاسم ، كفيل وحده – كما علمنا تاريخنا – بإسقاط تلك المشاريع، و تحويل أصحابها إلى متقاعدين؛ في إنتظار، الخطة البديلة، و المشتري الجديد للقناعات، و الأهواء …كما هو الفشل الذريع المحتوم…

فأين هو زبد كل صنوف التنظيمات الموازية المتكالبة جميعها ؟
وأين وكلاؤها الذين تخلفوا ، بل حاولوا إعتراض مسار وحركة التاريخ ؟

وفي يوبيل البوليساريو الذهبي، و في أفق مؤتمرها السادس عشر، تأتي المناورة الأخيرة ( مجموعة ثابتيرو- بونو من أجل السلام) .. كما سابقاتها؛ كمحاولة يائسة، لقتل ماهو روحي، ومجابهته بإختلاق فبركات؛ لا تتعدى الدعاية المحضة….من خلال تشكيلة هجينة… و استزراعها باشياء مصطنعة، في مجموعات انتهازية منتفعه، و لوبيات أجنبية، ومتساقطين …

و الحالة المطمئنة، انها ردات فعل شكلية َظرفية و سطحية . لا تمتلك مقومات نفسها، بلا عمق ولا حاضنة ، و لا جدية، وليست لها قابلية للإستمرار…. ولا ترقى إلى الفعل، الذي هو فعل ناضج، توليدي متجذر، و حالة وعي، و عقيدة، آمن بها الشعب واختبرها…

فلا يمكن ابدا أن تُهزم الروح مهما كان….

محمد الفاروق