لهذا تَصهْيَن “أميرُ المؤمنين”(حسين لقرع)

لم يُجانب الرئيسُ الأمريكي جو بايدن الصواب حينما قال مؤخرا، إنّه “لا يُشتَرط أن يكون المرءُ يهوديّا ليكون صهيونيًّا”؛ فهاهي “اتفاقيات إبراهام” تكشف يوما بعد يوم أنّ عربا مسلمين قد تجرّدوا من كلّ تعاليم دينهم وقيمِهم وأخلاقِهم واعتنقوا الصهيونية بلا حياء ودخلوا في علاقات حميمية مع الاحتلال العنصري المجرم، حتى إنّ العديد من مسؤوليه ومثقفيه أعربوا مرارا عن ذهولهم مما يقع، وأكّدوا أنّه فاق كلّ توقُّعاتهم، وهو ما عبّر عنه صائب عريقات قبل أشهر من وفاته بالقول إن المنطقة تشهد “ميلاد حركةٍ صهيونية عربية”.

في بلد “أمير المؤمنين” تتجسّد هذه “الصهيونية العربية” في أبشع صورها؛ إذ تتوالى زياراتُ وزراءِ الاحتلال ومسؤوليه السامين إلى المملكة بلا انقطاع، ومنهم مجرم الحرب قائد الأركان أفيف كوخافي الذي طالما اشترك في ارتكاب مجازر ضدّ الفلسطينيين في غزة، وقد استُقبل هؤلاء السفاحون بالرقصات الشعبية وتأدية أغاني بالعبرية للحركة الصهيونية المؤسِّسة للكيان، في بلدٍ يدّعي أنه يعمل لصالح القدس ويرأس لجنتها!

هنا ينبغي أن نتحلّى بالشجاعة ونعترف بأنّنا كنّا “طيّبين جدا” حينما اعتقدنا أنّ تطبيع “أمير المؤمنين” في ديسمبر 2000، كان مجرّد مقايضةٍ سياسية يطبّع فيها مع الكيان مقابل اعتراف الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته دونالد ترامب بـ”سيادة” المغرب على الصحراء الغربية، اليوم يتبيّن بوضوح أنّ المسألة لا تتعلق بتطبيع فوقي على طريقة مصر في 1979 والأردن في 2004، بل تتعلق بتحالفٍ عسكري وتعاون أمني وثيق وتطبيع اقتصادي وسياحي وحتى تربوي ورياضي بين المغرب والاحتلال، علما أنّ التحالف العسكري هو هدف المخزن الأول كما يتّضح من خلال اتفاقاته العديدة مع الكيان لاقتناء طائرات مسيَّرة انتحارية ورادارات ومنظومات صاروخية وأجهزة عسكرية متطوِّرة وتصنيع بعضها في المغرب بالشراكة مع الاحتلال بهدف كسر التوازن العسكري مع الجزائر وترجيح الكفّة لصالحه، ما قد يجرِّئه مستقبلا على خوض حربٍ معها قصد حسم الصراع على الصحراء الغربية بالقوة وربما محاولة السيطرة على أجزاء من ترابنا الغربي أيضا.

الكثيرُ من الكُتّاب المغربيين الشرفاء يكتبون هذه الأيام بمرارة عن هذه الموجة الصهيونية التي تجتاح بلادهم برغم الرفض الشعبي الواسع لها، منبّهين إلى أنّ المخزن قد تصهْيَن تماما وهو في الطريق إلى فقدان سيّادته على قراره لصالح حليفه الصهيوني الذي مكّنه من التغلغل أكثر في المنطقة وقد يورّطه في حرب.. وهي صرخة نجد ما يسندها في الواقع في ظلّ السعي المحموم للمخزن إلى اكتساب تيكنولوجيا الجيل الخامس من الحروب بأيّ ثمن، ويتقاطع ذلك مع رغبة الصهاينة في كسر شوكة الجيش الجزائري، بعد تدمير جيوش عددٍ من البلدان العربية عبر الغزو الأجنبي تارة (أمريكا مع العراق والناتو مع ليبيا) أو عبر تفجير حروبٍ أهلية مدمِّرة كما هو الحال في سوريا منذ 2011؛ فاحتلالُ الجيش الجزائري المرتبة الثانية إفريقيًّا والمرتبة 26 عالميًّا، لا يمكن أن يريح الكيان الذي يريد أن يحافظ جيشُه على تفوُّقه الصارخ على الجيوش العربية برمّتها، وهو لا يسلّح المغرب مجانا، بل للقيام بهذه المَهمَّة القذرة نيابة عنه

ما على الجزائر إذن إلا اتخاذ أقصى درجات الحذر وحُسن الاستعداد للمرحلة القادمة، فجارُنا “أمير المؤمنين” لم يكن مُؤتَمنَ الجانب يوما حتى حينما كان ضعيفا، فكيف الآن وهو يستقوي علينا بالاحتلال، وليحذر المخزنُ من أن يستدرجه المكرُ الصهيوني إلى حربٍ بالوكالة مع الجزائر في السنوات القادمة؛ فإذا تهوّر وفعلها فلن يخرج منها سالما، وعلى الباغي تدور الدوائر.