إرادة شعب لا يقهر (بقلم: النانة لبات الرشيد)

مستشارة الرئيس الصحراوي الاخت النانة لبات الرشيد، تكتب ..

في إحدى قصص “سندباد” الخرافة، قصة “الحوت “العظيم النائم منذ عصور بجزء طاف فوق الماء، نبتت به غابات النخيل وجوز الهند… ، وأصبح كالجزيرة التي تقول الأسطورة إن سفينة السندباد رست بها، حتى إذا ما حرقت نار قدور البحارة جلد الحوت – الجزيرة، فزع وانتفض، وعاش البحارة الغافلون زلزالا بحريا مهولا..
استحضرت القصة الخرافة، وقد خِلت ضمائر بعض قادة الأنظمة الغربية، خاصة الفرنسيين والإسبان منهم، كأنهم حوت شبعان نائم، غافل عما حوله.. وقد نَمت حوله طفيليات وأعشاب ضارة، وأخرى في ظاهرها النعم وفي باطنها النقم؛ كالديمقراطية العرجاء، وقيم حقوق الإنسان المفصلة على مقاس أتباعهم، والحريات التي لا يتجاوز حديثها الحناجر، والسلام الذي يذكرونه بتفاخر وهم يشعلون النار فيه..
وحينما تقلبت أحوال الطبيعة، واستدارت من لطفها إلى حرها، وبدأت لفحات سقر تصل شطآنهم، فخمد المسنون في مراقدهم حرا إلى الأبد، وضربت الشمس عمال الشوارع في مقتل، وبدأ عداد ضحايا الحر يتخطى الألف، فزعوا يتخبطون كجزيرة الحوت..
يقول خبراء البيئة الغرب، إن صيف عام أوروبا هذا، وهو صيف قاتل، يعتبر آخر عهدها باعتدال المناخ، منذرين بحرارة تزداد لهيبا عاما بعد عام، ما يعني نزيف الأجساد المنهكة الهشة، والمزيد من تدابير مجاراة طوارئ الكون وتقلباته…
فهل سيتعظ قادة الغرب، أم أنهم سيكتفون بالفزع كلما نضجت جلودهم؟ هل سيدركون أن الطبيعة لا تكترث بهم، وأنها أعمق أسرارا من تفاسيرهم العلمية، وأن العدد البشري الذي يقتلون بأسلحتهم في الصحراء الغربية وفلسطين ومناطق رخوة أخرى من العالم، يموت من مواطنيهم مثله أو ضعفه كل عام بسبب ارتفاع درجة الحرارة صيفا؟
هل سيدركون يوما أن الحرارة التي ذوبت مصابيح دور العجزة عندهم، يكابدها منذ خمسة عقود مسنون صحراويون، يصومون رمضاناتها، ويحاربون عدوهم حين قيظها، ويتقونها بالخيم البالية وأغصان الطلح الظامئ؟
هل سيدركون حجم معاناة الشعب الصحراوي في ملاجئه، حيث قفار الحر والقر، وحيث لا جداول ولا غابات ولا أنهار.. لا شئ، غير الحر الشديد والزمهرير القاسي، والخيم الشامخة وإرادة إنسان لا يقهر ؟ هل سيدركون حقيقة الإنسان الصحراوي، المقاوم لحر خمسين عاما، والمستعد دوما لمقاومة حر خمسين أخرى، في سبيل انتزاع حقه؟
هذا قيظ الشعب الصحراوي، وقد لبث فيه نصف قرن إلا قليلا، على عهده بيوم وثبته الأولى ضد الظلم والطغيان، وهذا قيظهم، وما لبثوا فيه ساعة، فلعه يوقظ ضمائرهم، فيقطعون مع الظلم والنفاق والكيل بمكايلين..