دورية أولى للهجوم على أنواقشوط (بقلم: السيد حمدي يحظيه)

دورية أولى للهجوم على نواقشوط
ما سنتحدث عنه هنا هو جزء فقط من عملية نواقشوط الأولى الكبيرة والمعقدة، التي تحتاج إلى مجلد للحديث عنها، خاصة دور الولي مصطفى في التحضير لها وقيادتها. هنا، بسبب ضيق الحيز المساحاتي، وعدم وجود موقع صحراوي متخصص في تاريخ الجيش الصحراوي، سنكتفي بالحديث عن الدوريتين اللتين قصفتا نواقشوط يوم 8 يونيو 1976م. من جهة أخرى، أعترف أن هذا النوع من الكتابة لا يمكن أن يكون دقيقا مهما نشدنا الدقة والصدقية، وليس هو النص النهائي، وعليه نستقبل معلوماتكم وإضافاتكم على الصفحات التي سيتم نشره عليها.
**
وصلت القوة التي يقود الولي مصطفى إلى الطريق الرابط بين كجوجت ونواقشوط يوم 7 يونيو 1976م، وتمت اعادة تشكيلها هكذا: “الفصيلة الأولى سيكون في مقدمتها عبد الله ولد براهيم، الذي يعرف نواقشوط جيدا، والذي كان جنديا في الجيش الموريتاني، وستهجم على المقار الأمنية ومقار قوات الدرك، والفصيلة التي يقودها الشريف ولد مديلش تهجم على السفارة الأمريكية والفرنسية، وفصيلة تهجم على المطار وأخرى على الإذاعة وفصيلتنا نحن، الرابعة، التي يقودها حمادي ولد فراجي المعروف ب”البايفو” تهجم على القصر الرئاسي(1).
لكن حدثت مفاجأة. أحرقت القوة الصحراوية صهاريج محروقات على الطريق، فتم كشفها، لكن، مع ذلك، واصلت طريقها نحو نواقشوط بنفس الخطة ونفس التشكيل. وقت المغرب، اصطدمت تلك القوة مع قوة من الدرك الموريتاني وسيارات إطفاء قادمة من نواقشوط لنجدة الشاحنات المحروقة على الطريق. حدثت معركة حقيقية بين الدورية الصحراوية والقوة الموريتانية. لجأ قائد القوة، الولي، إلى مخطط آخر مستعجل. قام بتجميع قيادته بسرعة وقال لهم: هل نستطيع أن نهجم على نواقشوط الليلة؟ قال له محمد فاضل الملقب ب”زل عليا”: نهجم عليه ام نحتله؟ نحن جئنا لاحتلاله؟ قال الولي: نهجم عليه فقط ونقصفه لأننا نحن لن نكون قوة احتلال مثلهم. هم محتلون أما نحن فمقاتلون فقط(2)
أعاد الولي السؤال: هل نستطيع الهجوم على نواقشوط الليلة؟
قال سيدي احمد الرقيبي ولد لدور، وكان رجلا لا يؤمن بالمستحيل: نعم نستطيع الهجوم عليه الليلة.(3)
كانت تلك اللحظات تاريخية، عظيمة، نادرة ومفعمة بالبطولة وحب الاستشهاد، وكانت الطبيعة بنجومها وسمائها ورمالها وأولئك الرجال المتحلقون حول الولي، في الظلام، هم الشهود الوحيدون على ما يحدث وما سيحدث لاحقا؛ كانت تلك الصحراء تستمع بصمت لتلك الكلمات التي تهز الكون وتَسخر من التاريخ والمستحيل. قال الولي موجها كلامه لحمادي فراجي الملقب بالبايفو، قائد الفصيلة الرابعة التي ستقصف القصر: ستنطلق لتضرب نواقشوط.
لم يتردد حمادي، وقال: الآن ننطلق، لكن عندي مشكلة بسيطة وهي أنني لا اعرف الطريق. قال له الولي: سيذهب معك سيدي احمد الرقيبي لدور، وتنتظرون الدورية الثانية عند الواحة قرب نواقشوط.(4).
الشهادة الأكثر دقة لتوثيق تلك اللحظات التي سبقت انطلاق تلك الدورية لتكتب التاريخ، ولذلك الحوار الذي دار بين الولي ومجموعته، هو ما جاء على لسان المقاتل محمد دويهي المشارك في القوة الصحراوية، والذي اعتمدنا على شهادته كمرجع. يقول محمد ولد دويهي:” أخذ الولي بيده اليمنى يد سيداحمد الركيبي ولد لدور، وبيده اليسرى أخذ يد حمادي فراجي(البايفو) وابتعد بهما عدة خطوات على الطريق المعبد ونحن نستمع لما يقول. قال لهما بالحرف الواحد: يا سيداحمد الركيبي، كم تبعد نواكشوط من هذه النقطة من كلومتر؟ رد عليه سيدي احمد الركيبي: لا تتعدى 120 كلم”. قال الولي: إذن، عليكما أنت وحمادي وبهذه السيارات أن تنطلقوا نحو نواكشوط. يجب أن تكتب الصحافة الدولية غدا، وبالبنط العريض، على كافة صفحاتها، أن جبهة البوليساريو قصفت العاصمة الموريتانية نواكشوط ولو بطلقة مسدس واحدة. المهم أن يعرف العالم أن البوليساريو ضربت نواكشوط.” بعد لحظات قال الولي من جديد موجها كلامه لسيدي احمد الركيبي: هل تعرف هذا المكان الذي نحن فيه الآن؟ قال سيدي احمد الركيبي: نعم، هذه ام التونسي.
قال الولي: إذن، سننتظركم غدا على الساعة التاسعة صباحا هنا في (اكرارة) ام التونسي. نتمنى لكم التوفيق(5).
تم التخلي عن المخطط (أ) الذي كان هدفه الهجوم الشامل واحتلال نواقشوط بطريقة استعراضية، وتم استبداله بالمخطط (ب) الاستعجالي الذي يبدو أنه تمت مناقشته بسرعة بين الولي وإطاراته والذي فرضته حادثة حرق الشاحنات. الخطة (ب) المستعجلة هي أن يتم قصف نواقشوط ولو بطلقة مسدس. معنى ذلك أن ما حصل- الصدام المفاجئ مع القوة الموريتانية- قد غيَّر خطة الهجوم المُعدة سلفا، والآن سيتم الاكتفاء بقصف نواقشوط ولو بقذيفة واحدة لتتكلم عنها الصحافة غدا، صباحا، في كل انحاء العالم. لنتخيل الآن- فقط نتخيل- أن الخطة، في صيغتها الأولى، هي التي تم تنفيذها. من المكان الذي تواجدت فيه القوة- غابة ام التونسي- لحظة صدامها مع قوة الدرك الموريتاني، كانت المسافة التي تفصل القوة عن نواقشوط هي 85كلم، وستقطعها القوة في الظلام بلا أضواء وتسير على طريق معبد. هذا يعني أنها ستصل إلى نواقشوط على الثالثة فجرا، حين تكون نواقشوط، غير المحمية بالجيش، نائمة. تصوروا هجوما مفاجئا بذلك الحجم يحدث في نفس الوقت، بالتزامن، ويكون بالقذائف والرشاشات والهاونات وعلى المواقع الحساسة في نواقشوط: القصر الرئاسي، سفارات الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا، المقار الأمنية والمطار. كانت ستكون-لو حدثت- أكبر وأشهر معركة استعراضية في التاريخ كله، وكان سيتم احتلال نواقشوط. (يتبع) الحلقة القادمة: هكذا تم الهجوم على نواقشوط
المراجع: (1)- محمد مولود محمد سيدي أحمد الملقب ب” تشيروني”، تسجيلات مع الكاتب أيام 15 الى 19 يونيو 2022م
(2)- تسجيلات فيديو المستقبل الصحراوي بعنوان: الطريق الى نواقشوط، مقابلة مع محمد الامين لعمر سيدي احمد بتاريخ 8/6/2017م
(3)-تسجيلات مع محمد البشير نافع الداف المعروف ب” بندر” يوم 20 يونيو 2022م
(4) تسجيلات مع حمادي فراجي المعروف بالبايفو قائد الدورية، أيام 19-20يونيو 2022م
(5)- بلاهي ولد عثمان، مقابلة مع المقاتل محمد دويهي، منشورة على موقع splsahara.org ابتداء من 29\6\2020م(يتبع)

بقلم: السيد حمدي يحظيه