جلّود يقطع الادِّعاء باليقين(بقلم: عمار يزلي)

جلّود يقطع الادِّعاء باليقين
بقلم: عمار يزلي

جريدة الشروق الجزائرية

تأتي شهادة عبد السلام جلّود حول الصحراء الغربية في الحوار الذي أجرته معه قناة “فرانس24″، بشأن مذكّراته، كشهادة حية لشاهد حي، شاهد قوي وشهادة أقوى؛ فالرجل لم يعد يمثل شيئا اسمه نظام سياسي أو ديبلوماسي، والرجل الذي اشتهر في عهد الراحل القذافي باعتباره الرجل الثاني في النظام السياسي والأول في التمثيل الخارجي والديبلوماسية الخارجية لليبيا، في أقوى فترة عرفتها المنطقة، سياسيا وديبلوماسيا، فترة السبعينيات.

عندما يشهد عبد السلام جلّود أنه ذهب سنة 72، يعني 3 سنوات فقط بعد انقلاب الراحل القذافي على الملك السنوسي في 1 سبتمبر 1969، وبروز نظام جديد في ليبيا سيصبح “جماهيريا” فيما بعد، عندما يقول جلود إنه طار إلى المغرب في محاولة منه لدفع الملك الحسن الثاني، ملك المغرب وقتها إلى الاصطفاف مع مسعى مساعدة شعب “الساقية الحمراء ووادي الذهب”، لمساعدته على نيل استقلاله من المحتل الاسباني، كان جواب الحسن الثاني للمبعوث الليبي “أنّ لديه ما يكفي من الألغام الداخلية التي يتعين عليه أن يفكّكها، وأنه لا يريد أن يفجّر ألغاما أخرى في بلاده كون الصحراء الغربية لا تعنيه، لأنها ليست أرضا مغربية”، فهذا يعني أن الملك الحسن الثاني، الذي لم يكن يؤمن بـ”مغربية” الصحراء، فضلا عن أنّها تاريخيًّا لم تكن يوما كذلك، ولا يرغب في التحدث عنها ولا حشر أنفه في مشاكل لا تخصّه، فهذا يعني عدة أشياء، كلها تصب في أن المغرب ركب الموجة الانتهازية عقب تخلي اسبانيا عن لغم الصحراء الغربية، بحسب الإجابة التي تلقاها جلّود في نفس الحوار مع القناة الفرنسية، وفي مذكراته أيضا، والتي سمعها من فم الجنرال فرانكو حاكم إسبانيا القوي عندما رد هذا الأخير على جلّود بشأن قضية إقليم الصحراء ووادي الذهب، أنّ قضية الصحراء الغربية “ليست معطفا نلبسه حين نريد، ثم ننزعه حين نرغب”، وأنّ عليه أن “يحضّر الشعب الاسباني لقبول هذا الأمر” (استقلال الإقليم عن اسبانيا)، أي أنّ عليه أن يحضِّر الاسبان لقبول فكرة أن الصحراء الغربية أقليما محتلا من طرف اسبانيا وأنّ عليها كدولة احتلال أن تمنح للشعب الصحرواي استقلاله في إطار السياسة الأممية من أجل تصفية الاستعمار، والتي لا تزال إلى اليوم قائمة.. فقط انتقل الاستعمار من اسبانيٍّ إلى احتلالٍ مغربي. هذا ما حدث سنة 1974، أقلّ من 3 سنوات وكانت اسبانيا تعلن نيتها الانسحاب من هذا الإقليم المحتل، فكان مؤتمر مدريد، وكان ما بعده من مناورات المغرب من أجل تقاسم الصحراء، ثم الاستيلاء على الإقليم بأكمله.. وهذه المرة باعتبار الصحراء الغربية “مغربية” وأقليما مغربيا محتلا من طرف إسبانيا، على المغرب أن يستعيده، مع أنه قبل أقلّ من ثلاث سنوات كان المغرب وعلى لسان عرشه ينأى بنفسه عن قضية لا تعنيه ولا تهمُّه، بل ويعتبر الملك نفسُه الإقليمَ غير مغربي وبالتالي لا دخل له كملك وكمغرب فيه ولا ناقة له فيه ولا جمل كملك وكدولة مغربية. غير أنه وبمجرد أن شعر أن الاسبان يريدون التخلي عن هذه المستعمَرة القديمة قِدَم استعمار سبتة ومليلية، تغير التاريخ لدى العرش الملكي وتغيرت الجغرافيا فجأة وصارت الصحراء الغربية في ظرف وجيز “مغربية” بإضافة حرف الميم في البداية.. وفقط، مما ينطبق عليه قصة الأعرابي الذي رأى باب بيته الخارجي مفتوحا وجلبة داخل البيت فاعتقد أنّ لصا دخل البيت وهو خارجه، فراح ينتظر خوفا من مقارعة السارق، غير أنه بعد برهة شاهد كلبا يخرج من البيت ففهم أن الجلبة في الداخل كانت للكلب وليس لأيّ سارق فقال قولته المشهورة إلى اليوم “الحمد لله الذي مسخك كلبا وكفاني حربا”.

كيف نسمِّي هذا من غير الانتهازية السياسية والكذب والتلفيق والنفاق والادِّعاء الكاذب، فضلا عن الغدر والخيانة للمبادئ والقناعات؟

هذه، شهادة جلّود، أغنت عن عشرين مجلدا، و”قطعت جهيزة قول كل خطيب”.

جريدةالصحراءالحرة