عن مجتمعنا …(بقلم: أمبارك سيدأحمد مامين)
وُلِدت في العيون المحتلة ، وعشت هناك طفولتي ، درستُ في المؤسسات التعليمية التي كانت تؤدلجنا ونحن صغار على أن ( الصحراء مغربية ) ، كنت ألعب مع الأطفال الصحراويين وأحيانا مباريات كرة القدم مع المغاربة أبناء المستوطنين ، كانت والدتي تشتري لي من الدكاكين التي يملك أغلبها مغاربة ، كانت تتسوق لنا حاجيات المنزل من السوق الذي يشتغل فيه مستوطنين ، لأن واقع الاستطان يفرض نفسه ، إنها تحبني ، كانت تخاف علي كثيراً . أتذكر ذات مساء يوم كانت شرطة الإحتلال تدخلني بالقوة مقر الأجهزة المغربية مكبل اليدين وهي تقف وتنظر إلى دامعة ، كانت تصرخ في وجوههم جميعاً ، صوتها لايزال في أذني إلى اليوم .
كنت أذهب لأدرس في الاعدادي داخل مؤسسة يفرض علينا مديرها المغربي التسّمر باكراً أمام العلم المغربي لترديد نشيد ( مانبت الأحرار .. ) ، لقد كان المغاربة يرددونه بحماس رغم أن أغلبهم لا يتقن ترديد بعض جمله ، فتجد التلاميذ يقولون ( في فمي وافيدمي هواكتونثنار ) وهي في الأصل حسب ماهو موجود على حائط المؤسسة (-في فمي وفي دمي / هواك ثار نور ونار ) ، ربما كانوا يتظاهرون بالحماس تزلفاً للمدير ومن حوله ، لعلهم يسمعون كلمة ” الله يرضي عليكم آوليداتي ” . أما أنا وبقية زملائي الصحراويين فكنا نقف صامتين وكأنها جنازة ، كان شيء ما يمنعنا من الترديد وراء هؤلاء ، لقد كان المكلفون بالمؤسسة يقفون أمام الصفوف وينظرون بنظرات فاحصة لأفواه التلاميذ ، و الويل للذي لا يردد معهم النشيد ، لهذا كنا نتعمد الوقوف خلف التلاميذ لكي لا تصلنا تلك النظرات الحاقدة ، والتي يصفنا بعض أصحابها ب ” السراح ولاد السراح”.
في الفصول ، ستجد كل الطاولات الخشبية مرسوم عليها العلم الصحراوي وأحيانا حتى الجدران ، وكلما كثرت الرسوم ذات الأبعاد السياسية على الحائط يقوم المعلمين بالإدعاء أن المؤسسة ستقوم بتزيين الفصل و تغيير طلائه ، وكل تلميذ مطالب بتقديم خمسة أو عشرة دراهم لشراء سطل الطلاء ، ولا يمر شهر بعد تغيير لون الحائط و إخفاء العلم الصحراوي و الشعارات السياسية ، ، حتى تجد نفس الشعارات ،التي عادة ما تكون حصراً ” لابديل عن تقرير المصير ” ، تتكرر كتابياً على تلك الجدران الباردة ، كنت أرى تعابير التذمر و الفشل في عيون الأساتذة المغاربة كلما فشلوا في تصفية ذاك الجو السياسي داخل الفصول ، فإن لم يستطع التلميذ التعبير عن ذلك الموقف جهراً فإن الجدران الباردة ستكون الملاذ ، وعند تراكم الكتم فإن سيارات الشرطة الواقفة أمام البوابة ستجد نصيبها من الغضب بالحجارة و المولوتوف ، لأن الواقع يقول لهم “وجودكم هنا مرفوض ” . كان المدير يبرر المواجهات التي تحدث بين التلاميذ و الشرطة أمام المؤسسة ، بأن ” المشاغبين هم من خارج المؤسسة ولا علاقة لهم بمؤسسته الطيّعة ” ، الملعون يذكرني دائما بخطاب حكام المغرب الذين يدّعون نفس الشيء عند كل انتفاضة كبرى تشهدها المدن المحتلة ، كلهم يقولون أن ما حدث ” مؤامرة خارجية بأيادي لها أجندات ” .
من يُعَلم هؤلاء السراح الملاعين هذه الأشياء ؟ ، هكذا يقول ” المدير العقرب ” ، ويرد عليه الأستاذ مدرس التاريخ و الجغرافيا صاحب المؤخرة الكبيرة ” وياااه راه كاتشوف هاد ولاد الكلاب ” ، يرد آخر من الحراس العامون باستعلاء ” وصحراوا كلهم بوليزاريو ، كيعلموهم والديهم هداك شي ” . ولكن الحقيقة أن هؤلاء التلاميذ لا مصالح اقتصادية لهم ولا يملكون مشاريع يخافون عليها ، سيكبرون و تصبح لهم أشياء يخافون عليها إما ارتباطا بالعائلة أو أشياء أخرى ، لهذا سيحسبون على ما يسميه البعض ” الأكثرية الصامتة ” التي لا يمكن أن تكون في صف الغزاة ، و لو قَدمتَ لهم يوما واحدا من الحرية لقالو جميعاً ” لا للإحتلال … ” ، وإن لم تصدق ، فهذه الأكثرية هي التي خرجت باندفاع الأمواج يوم 4 ماي 2013 ، أين خرج الكل ، موظفين و مقاولين … الخ و بالأعلام الصحراوية ، ليقولو جميعا ” الشعب يريد إنهاء الإحتلال ” ، وهي نفس الأكثرية التي يخاف الإحتلال من موقفها ، وإلا لما رفض المخزن الإستفتاء بمعاييره المحصورة في إحصاء 1974 وحتى الموسع بمعايير أواخر التسعينات .
الكل ضد تواجد الإحتلال ، سواء المعبرون عن ذلك ،،، أو الصامتون إلى اليوم الموعود .
مبارك سيدأحمد مامين
