في بيت أول شهيد صحراوي في حرب الصحراء الثانية(كاتب موريتاني)

في بيت أول شهيد صحراوي في حرب الصحراء الثانية:
في حياتنا اليومية نلتقي نتحدث ونتحادث؛ نعيش أحداثا كبرى وأخرى صغرى.
من تلك اللحظات ما يندرس ومنها ما يوقذه القرب ومنها ما يقتله التكرار؛ ومنها مايستعصي على الفهم. يستعصي على التفكيك؛ يستعصي على الاستعصاء.
لكن من تلك الأحداث مايتعلق بلحظات ألم من نوع خاص؛ حين ترتقي روح ليظهر رُقي أخرى. ترتقي روح لتتمايز معادن أراوح.
حين تجلس بين يدي أرملة شهيد في الحرب ويتيم شهيد ومشروع شهيد؛ وتبدي التماسك؛ فأنت قوي ومحظوظ.
قوي لأن ابتسامات اليتيم وارتسامات المقاتل ابن الشهيد؛ ومغالبة الأرملة لحشرجات الذكرى وإكراهات الحياء المتجذر التي تمنع القوارير من البوح أو الحنين للضمير الغائب المذكر حيا كان أو راحلا في ثقافة البيظان؛ ومحظوظ لأن الحديث عن العابرين من الرجال مع صندوق المكنونات وعيبة السر وخليفة الحال في البيت والولد وشريكة الحياة؛ ليست من دائرة الاهتمام لفعل الكتابة في أيام الناس هذه.
وهي تجربة مرت علي هذا المساء في مخيم ولاية بوجدور للاجئين الصحراويين ولا أدعي أنها مرت علي بسلام.
سميه إبراهيم الخليل أرملة الشهيد باني السالك امسيعيد المقاتل الصحراوي الذي كان أول شهيد في صفوف جيش التحرير الشعبي الصحراوي في الحرب التي تدور رحاها في الصحراء الغربية بين الجيشين المغربي والصحراوي منذ سنتين.
سُميه ولدت منتصف السبعينيات في مدينة الداخله أيام كانت خاضعة لإسبانيا. انطلقت مع أمها التي كانت إحدى العاملات الأوليات في حقل الطبابة في مخيمات اللاجئين الصحراويين.
تقول سُميه إن خبر ارتقاء زوجها كان متوقعا من قبله هو ومن قبلها هي؛ وأنها ليست بدعا من النساء الصحراويات اللائي تتملكهن فرادى وجماعات حكايات الوداع القسري للمعيلين والرفاق والإخوة والأحباب والجيران منذ بدأت الفاجعة الصحراوية تهز أوزارها.
أخبرها تلامذتها في المدرسة بالنبإ الصاعقة وعتبوا عليها لجلوسها أربعة أشهر في بيتها في عِدّة الأرملة.
ابنها البكر خطاري ولد باني مقاتل يعدُّ نفسه للمغادرة إلى جبهات القتال خلال ساعات؛ كان قطع دراساته العليا في مدينة عنابه الجزائرية حين أعلنت البوليساريو النفير والتحق بصفوف جيش التحرير الشعبي الصحراوي؛ يحافظ على أن لا يظهر وجه أمه في الصور إكراما لوصية خاله المغترب. تلقى الخبر بثبات ويتحدث عن والده بكثير من المودة والاحترام والإعجاب.
أمه ترغب في أن يتزوج عاجلا لترى أحفادا منه ولكنها تخفي قلقا من أن يرحل دون ولد.
عائلة الشهيد باني راضية بقدرها؛ وسميه تعلم أن ابنها البكر يمكن أن يتلو أباه في رحلته إلى الفردوس في أية لحظة.
تسجل بشيء من الامتنان اعتراف أركان الجيش الصحراوي بزوجها وتصنيف عائلتها كعائلة شهيد. وبشيء من العرفان إقبال المجتمع الصحراوي على البيت بالمواساة والعزاء وكأن الفقيد هو لهم جميعا دون ذويه.
وبين البراد والبراد يدلف الابن الأصغر للشهيد ويدعى المحجوب؛ ذو التسعة أعوام وقد كرر للتو في كتاتيب الحي الآيات الأولى من سورة البلد. ويبدو من اغبرار قُديماته أنه حاول للتو تمرير كرة أو كرتين في الشارع المحاذي لبيته.
المحجوب تغشاه براءة الأطفال وحين علمتُ من أمه سميه أنه فخور بكونه ابن شهيد؛ وصل المشهد لعمقه الدرامي ووددت أن لو كانت لي مآقي سرية في موضع ثان من جسدي حتى أبوح لها دون إفساد متعة مجالسة الغرباء عليه.
كان آل باني كبارا بحجم الزهاد العظماء؛ قد طووا حزنهم ومأساتهم. وكنت صغيرا يتصنع المجالسة.
تجربة الحديث مع أرملة شهيد وأبناء شهيد حين يكون مدار الحديث هو نفسه الشهيد؛ كيف غاب ؟ وكيف يرون أنفسهم بعده؟ وكيف وكيف ؟ هي من موجعات القلب العصية على النقل والتصنيف.
ودّعت هؤلاء الفتية وأمهم وقد انطبع في إعجاب بكرمهم وأريحيتهم وثقافة الأم وابنها البكر العالية وحرصهم على أن يوصوني على تكرار الزيارة؛ واعتذارهم عن عدم طول الاجتماع ليتسع لضيافة أصيلة.

إسماعيل يعقوب الشيخ سيديا