الأخبار

تباين تصرفات الانظمة بين السلوك المتمدن و الأسلوب الهمجي(بقلم: أمحمد البخاري)

تباين تصرفات الانظمة بين السلوك المتمدن و الأسلوب الهمجي(بقلم: امحمد البخاري)

فجر إنسحاب المغرب من قمة التيكاد الثامنة للشراكة بين الإتحاد الأفريقي و اليابان المنعقدة بالعاصمة التونسية يومي 27 و 28 اغسطس المنصرم شبه صراع حاد عبر بيانات حكومية رسمية و على مستوى حوار بين رواد وسائل التواصل الاجتماعي في البلدين.

أهم ملاحظة يمكن أن يسجلها المتتبع عن قرب للاجواء التي تمخضت عن هذا التعاطي بين الحكومتين و الشعبين هو الفارق الشاسع فى وجاهة الحجج و صدقيتها المقدمة من لدن كل طرف و الهوة الكبيرة في السلوك لكل منهما.

فبينما سعى البيان الأول لوزارة الخارجية المغربية ( مساء يوم 26 غشت) و الثاني( يوم 27 غشت) إلى إعتماد المغالطة و تزوير الحقائق و اذكاء الشوفينية في اشارة واضحة لإطلاق العنان للذباب الإلكتروني المغربي لمهاجمة تونس و رئيسها، نجد أن بيان وزارة الخارجية التونسية اعتمد اسلوبة الحجة القانونية و توخي الموضوعية و انطلق من الإعتماد علي القانون و الاجراءات التي تحكم هذه الفعاليات المتعددة الاطراف.

اولا، لأن تونس لم توجه دعوة للجمهورية الصحراوية.
و هذا هو ما اتي به بيان وزارة الخارجية التونسية ( ليلة 26 غشت)

ثانيا، لأن تونس بلد يستضيف المؤتمر و ليس هو من يوجه الدعوات للحضور حسب القانون و الاجراءات المتفق عليها و المعمول بها. و إذا فعل ذلك فإنما من أجل المجاملة و السعي لجلب أكبر عدد من المشاركين.

ثالثا، لأن الدولة الصحراوية توصلت بدعوتين الأولى من طرف مفوضية الإتحاد الأفريقي باعتبارها المنظم للقمة موجهة إلى الدولة الصحراوية بصفتها بلد عضو في الإتحاد له الحق التام في المشاركة و دعوة ثانية خاصة بعث بها رئيس المفوضية إلي الرئيس الصحراوي يدعوه فيها للحضور. و في هذه الاخيرة تعمد رئيس المفوضية أن يبعث نسخة منها إلى الدولة المضيفة و إلى الشريك الياباني الذى حاول العرقلة و كاد أن يتسبب بذلك فى إلغاء انعقاد القمة فى تونس.

و رابعا، لأن إستقبالها للرئيس الصحراوى هو امتثال لقانون الحياد و المعاملة المتساوية لكل الأطراف من لدن دولة المقر.

لو لم يقم الرئيس التونسي السيد قيس سعيد باستقبال الرئيس الصحراوي السيد ابراهيم غالى فإن ذلك هو الذى يعد خرقا للحياد و عدم معاملة جميع الدول الأعضاء المشاركة بالمثل. فالرئيس التونسي استقبل رؤساء الدول الذين حضروا شخصيا و هذا ما يمليه عليه إلتزام الدولة المضيفة بمقتضيات قانون الحياد و قواعد البروتوكول الخاصة بمثل هذه المؤتمرات و الفعاليات.

فتونس فى هذه الحالة لا يمكن لها بصفتها الدولة المضيفة أن تعارض مشاركة الجمهورية الصحراوية اذا ارادت أن لا تجد نفسها ممنوعة من استضافة القمة طبقا لنص الفقرة 5 من قرار EX.CL/Dec942(XXX) المصادق عليه من لدن القمة ال 30 المنعقدة باديس ابابا يومي 29 و 30 يناير 2017 . و هي نفس القمة التي صادقت على طلب المغرب للعضوية و بحضور الملك محمد السادس شخصيا.

أما بصفة عامة فإن صياغة وزارة الخارجية للبيانين المذكورين تخفي ملفا كاملا أكبر بكثير مما جاء فيهما.

الاشياء التي تحاشت البيانات المغربية الإشارة إليها لأنها تسحب البساط من تحت اقدام الأقلام التي قامت بصياغة تلك البيانات و منها خاصة الملاحظات التالية:

1-أن المغرب قاطع منظمة الوحدة الأفريقية و انسحب منها سنة 1984 على إثر حصول الجمهورية الصحراوية على العضوية فيها سنة 1981.

2-و اعتبر حينها العاهل المغربي، الحسن الثاني، منظمة الوحدة الأفريقية بأنها تجمع لقارعى الطبول ( conférence de jouers de Tam-tams ) و ذكر أن المغرب لا يشرفه الانتماء إليها و لذلك تقدم بطلب العضوية إلى السوق الاوروبية المشترك التى تحولت إلى الإتحاد الاوروبى حاليا، إلا أن الاوروبين سارعوا برفض عاجل لهذا الطلب.

3- أن المغرب إنضم الي الإتحاد الأفريقي سنة 2017 أي بعد 33 من المقاطعة و المحاولات الفاشلة و اليائسة لتجميد عضوية الدولة الصحراوية او حتي طردها بعدما أصبحت هذه الاخيرة عضو مؤسس للإتحاد و هي الآن عميد إقليم الشمال الذي ينتمي المغرب له.

4-ثم أن المغرب يجلس إلي جانب الجمهورية الصحراوية في جميع المحافل الاقليمية و الدولية التي ينظمها الإتحاد الأفريقي او يكون طرفا فيها بحيث يحق لجميع الدول الأعضاء المشاركة فيها بدون تمييز او إقصاء و هذا طبقا لقرارات الإتحاد ذات الصلة ( الفقرة 10 من القرارEX.CL/Dec 877 فى قمة جوهانسبورغ- من 7 إلى 22 يونيو 2015 و القرارات اللاحقة 899 يناير 2016 بقمة كيغالى و القرار 992 المصادق ةعليه بالقمة ال30 المنعقدة بأديس ابابا يومي 29 و 30 يناير 2017 و القرار الوزارى المعتمد من لدن المجلس التنفيذى في دورته الاخيرة المنظمة بلوساكا 20 يونيو 15 يوليوز 2022 ) و هذا تماشيا كذلك مع مقتضيات المادة 23 من القانون التأسيسى للإتحاد.

و بالفعل، لقد شارك المغرب إلي جانب الجمهورية الصحراوية في مؤتمرات الشراكة مع اليابان فى مابوتو( 24 – 25 اغسطس 2017) و طوكيو(6-7 اكتوبر 2018) و يوكوهاما (30 اغسطس 2019) على المستويات الثلاثة ( خبراء ، وزراء ، رؤساء)،

و في اطار الشراكة ايضا جلس ملك المغرب، محمد السادس، بدون حرج او غوغاء، إلى جانب الرئيس الصحراوي ابراهيم غالى فى القمة الخامسة للشراكة بين الإتحاد الأفريقي و الإتحاد الاوروبى بالعاصمة الايفوارية أبيدجان (29-30 نوفمبر 2017) و حضر البلدان أخيرا في بروكسيل فى القمة السادسة في إطار نفس الشراكة الأفريقية الاوروببة (27 فبراير 2022).

و إلي جانب الجمهورية الصحراوية يتواجد المغرب في عديد المؤتمرات المتعددة الاطراف سواء مع الأمم المتحدة و وكالاتها المتخصصة المختلفة او في منتديات اقتصادية و سياسية دولية تساهم فيها هيئات المجتمع المدنى و القطاع الخاص.

المثير للانتباه، إذن، في الموضوع هو أن كل ما أرادت وزارة الخارجية المغربية تسويقه او تركيبه لا يمت الى الحقيقة بشيء لانها حاولت زورا و ظلما أن تصور ان تونس قامت بعمل او فعل، شاذ ، يقع لأول مرة و أنه مخالف للقانون و يشكل ظلما و تعد على المغرب و تحد لمشاعر شعبه.

كما أننا نلفت إنتباه القارئ إلى أن المغرب في بياناته كذلك يتحاشى ذكر الجمهورية الصحراوية بالاسم و صحافته تتحدث عن زعيم البوليساريو التى هي حركة سياسية ( جبهة) لأن ذكر الجمهورية الصحراوية بالاسم مدمر للاطروحة المغربية التوسعية لارتباطه الوثيق بمسألة السيادة و بمبدا الحدود المعترف بها دوليا.

إن الحقيقة التي يحاول المغرب القفز عليها و التنكر لها إسمها الجمهورية الصحراوية التى ابتلعها عندما طلب الحصول على عضوية الإتحاد الأفريقي بحيث كان ملكه مرغما على أن يوقع علي الميثاق التأسيسى للإتحاد الأفريقي، الذي تتربع الجمهورية الصحراوية في ديباجته ضمن لائحة الدول المؤسسة للإتحاد، باعتبار ذلك الشرط الالزامي الوحيد لحصوله علي العضوية، كما صوت البرلمان المغربى عليه بالإجماع و تم ايداع التصديق عليه رسميا لدى مفوضية الاتحاد بأديس ابابا و نشر بمقتضى الظهير الملكي رقم 02.17.1 المنشور في الجريدة الرسمية رقم 6539 مكرر الصادرة بتاريخ 31 يناير 2017.

نعرج أخيرا في هذه الورقة على شيء فى غاية الأهمية يتعلق بالحوار الشعبي بين العشرات من رواد وسائل التواصل الاجتماعي في البلدين بحيث لا بد أن نسجل المستوي الثقافي و السياسى المبني علي العقل و المنطق و الذي يحترم ابجديات الحوار و اساليبه بدءا بطريقة مقارعة الحجة بالاخرى و التسليم بالحقاىق الموضوعية التي اتبعها غالبية التونسيبن و احتكامهم للمنطق السليم و تشبثهم بالاخلاق و ترفعهم عن العبارات غير اللائقة و تباين ذلك مما صدر عن الجهات الرسمية المغربية و الذباب الإلكتروني المغربي الذين جميعهم، إلا من رحم ربك ، رسميين و غير رسميين ، صبوا جام غضبهم على تونس ، رئيسا و حكومة و شعبا.

هذا الأمر يحيل إلى مسالة إستراتيجية تتمثل في الاختلاف في الانظمة السياسية بحيث ان النظام الملكي في حلته القرن اوسطية (سياسيا) يقوم علي اعتبار مركزية تقديس شخص الملك و تقبيل يديه و ٱلإلتزام بما يصدر عنه من أفعال و اقوال و التي هي غير قابلة للنقاش و المساءلة. هذا الوضع جعل الشعب المغربى يعيش خارج الزمن و ينخر في اوساطه الجهل و التخلف و تعشعش فيه كل ذهنيات الشعوذة و المعتقدات الخرافية و يسيطر على غالبيته الحرمان إلى درجة أن احواله تقترب من وضعية ما تحت الإنسانية.

فنظام المخزن، القائم على الاكراه، لا يقبل المنطق فهو مبني على الطاعة و البيعة و القبول المسبق لكل ما يصدر عنه.

أما النظام الجمهوري في تونس فلا حاجة هنا لذكر ما وصل إليه من تقدم ملحوظ في مجال الحريات و إحترام للكرامة الإنسانية والمساواة بين البشر تجعله في المقدمة في مجال الديمقراطية و المشاركة و سيادة الشعب و هي أمور تنتج المناخ الذي اتاح للإنسان التونسي أن يتعلم التعاطي المتمدن مع الآخرين و الاحتكام للعقل و المنطق و الابتعاد عن العدوانية و اللجوء إلي المغالطات و الاكاذيب و التصرف المتهور و الهمجي الذي سيطر علي تعاطي الجانب المغربي.

امحمد/البخارى 5 سبتمبر 2022