التماسك الافريقي ينخر ضرس الرياض(بقلم: عالي أحبابي)
مع كامل الأسف ، فشلت المملكة العربية السعودية في تنظيم قمة الشراكة بين الاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية التي كان من المقرر انعقادها يوم 11 نوفمبر الجاري ، فنخر التماسك الافريقي أضراس الرياض بمكواة أن هذه افريقيا وليست دولا ترتهن للمزايدات الخارجة عن النص .
إذا كان الإخفاق السعودي في استقبال هذا الحدث الكبير يعود إلى الإنصات لمغالطات الرباط، وهو الاحتمال الأقرب إلى المنطق، فإن محمد بن سلمان يكون قد حشر أنفه من جديد في التورط الاستعماري ، فضلا عن استصغار حق الشعوب في الحرية والاستقلال ، وتلك مجازفة ومغامرة بسمعة بلد يفترض أنه يسعى للتموقع ضمن حيز القوى الاقليمية ، التي تريد أن تكون فاعلة في الأحداث على أكثر من صعيد ، بيد أنه جر بلاده لنكسة دبلوماسية ستؤثر لا محال على وزن السعودية ودورها السياسي وواجبها الديني .
أما إذا كان قرار إقصاء الجمهورية الصحراوية من قمة الشراكة قرارا سعوديا خالصا فهذا يؤشر على أن المملكة، أو على الأقل، الفريق المقرب من محمد بن سلمان والذي يتولى تسيير ملف السياسة الدولية تنقصه الاحترافية ويجهل المعطيات الموضوعية فيما يتعلق بالنزاع الصحراوي-المغربي ، بل يغض الطرف عن مكانة الجمهورية الصحراوية والتأييد العالمي الذى تحظى به خاصة على الصعيد الأفريقي.
التصرفات البعيدة عن قواعد التعامل المعهودة والمناقضة للمبادئ والتقاليد المتعارف عليها عالميا والمتعلقة بواجبات الدولة المضيفة تجاه جميع المشاركين في الاستحقاقات المختلفة، تفرض عليها الحياد التام ومعاملة الجميع على قدم التساوي بغض النظر عن وجود علاقات من عدمها مع أي من الدول المشاركة.
و حتى إذا كانت هناك حرب قائمة مع أحد منها فذلك لا يعطى الأهلية للبلد المضيف أن يحاول إقصاء أي بلد له الحق في المشاركة ، وبالأحرى اذا كان عضوا مؤسسا للمنظمة التي تعتبر الشريك المنظم للقمة كما هو الحال بالنسبة للجمهورية الصحراوية العضو المؤسس للاتحاد الأفريقي.
لا شك أن في مكاتب محمد بن سلمان توجد قرارات محكمة العدل الدولية سنة 1975 التي تنفي وجود أية روابط سيادة بين المملكة المغربية والصحراء الغربية قبل الاستعمار الإسباني لهذه الأخيرة.
و بالتأكيد أن الدبلوماسية السعودية على إطلاع تام بأن جميع المنظمات والمحاكم الدولية والقارية لا تعترف للمغرب بالسيادة على الصحراء الغربية و تقر كلها بحق الشعب الصحراوي في تقرير المصير.
و الغريب في تصرف الرياض المتهور أنها على دراية تامة بأن المملكة المغربية تجلس إلى جانب الجمهورية الصحراوية تحت قبة الاتحاد الأفريقي و تحضر إلى جانبها في قمم الشراكة مع الاتحاد الأوروبي والوكالات المتخصصة التابعة للأمم المتحدة.
و الاغرب من كل ذلك أن المملكة السعودية نفسها حضرت أخيرا إلى جانب الجمهورية الصحراوية في قمة الشراكة بين مجموعة البريكس والاتحاد الأفريقي.
ولعل ذاكرة الرياض أصيبت بالخرف السياسي ، فتناست أن المملكة السعودية كانت قد لعبت دور الوسيط بين الجمهورية الصحراوية و المملكة المغربية في إطار المفاوضات بينهما بهدف التوصل إلى حل سلمي ، ووقف اطلاق النار الدائرة حربه بينهما حيث التقى الطرفان بمبادرة من الملك فهد في الجزائر العاصمة سنة 1982 و في الرياض عام 1987.
ما يثير الانتباه هو أن هذا التصرف مع نهاية 2023 والذى تنقصه الحكمة أقصى المملكة العربية السعودية من لعب الدور القيادي الذى كان بإمكانها الاضطلاع به لفائدة الشعوب الأفريقية و العربية.
إن اصطفاف المملكة السعودية مع سياسة الاحتلال الاستيطاني المغربي لأراضي الجمهورية الصحراوية تحرمه جميع الشرائع والقوانين و يتناقض مع الأخلاق والقيم الإنسانية ويذكر بمواقف بعض الدول العربية التي عارضت لمدة طويلة انضمام الجمهورية الإسلامية الموريتانية إلى جامعة الدول العربية في سابقة لا تشرف العديد من تلك البلدان التي كانت تربطها علاقات حميمة مع نظام الابرتياد في جنوب افريقيا.
لا شك أن أنظار الشعوب الأفريقية وحكوماتها كانت متجهة إلى المملكة العربية السعودية وتنتظر نتائج في مستوى الرهانات الكبيرة والتحديات الحالية، من قمة الشراكة بين المجموعتين، العربية والافريقية، في وقت يحتم عليهما تعزيز التضامن والعمل المشترك وفتح افاق التعاون.
ولعل الدرس الذي يمكن استخلاصه من اسباب تأجيل قمة الشراكة بالرياض تحكمه ثلاثة أبعاد هي:
1- أن التقارب بين افريقيا وشعوبها من جهة والدول العربية من جهة ثانية ، قصد بناء شراكة قوية معها لا يمكن أن يعتمد على المال والاغراءات بالاستثمار ولا حتى على الهدايا ، وإنما يحتاج بالدرجة الأولى إلى الفهم والقناعة بأن احترام تطلع الشعوب الأفريقية للحرية التامة والسيادة و المساواة و التعامل بالندية هو مفتاح شراكة مفيدة، ضرورية و مستدامة.
2- ان صمود الاتحاد الأفريقي و تماسك دوله وتشبثها بمبادئ الاتحاد ودفاعها عن قراراته المتعلقة بالشراكة وتضامنها القوي مع الدولة الصحراوية أمر يعزز مكانة المنظمة الأفريقية و مصداقيتها ويثبت قدرتها على التصدي لكل المحاولات الرامية إلى تشتيت الصف الافريقي والنيل من مكانته التي صارت معلما في الوفاء والتمسك بقيم الحرية وكرامة الشعوب ، ورسالة قوية بأن افريقيا لن ترضخ لضغوطات مهما كان نوعها ، ولن تنال منها محاولات الابتزاز وتحريك العملاء والمأجورين .
3- ان كفاح الشعب الصحراوي من اجل السيادة على وطنه يوجد في مقدمة واهتمامات العمل الافريقي المشترك الرامي الى تبوأ افريقيا للمكانة اللائقة على الصعيد العالمي والهادف الى احترام الشركاء لمنظمتها القارية وتميزها في الدفاع عن قدسية وحرمة شعوبها .
