جوابا على سؤال أخ مغربي عن الصحراء الغربية: لماذا لم يكن لها علم أو دستور او عملة قديما 2/3

تاريخ الدبلوماسية والعلاقات الدولية؟

وفي ما يخص السفراء والعلاقات الخارجية وغيرها مما تسأل عنه، ورغم أن الدول قديما كانت تعين أشخاصا كرسل وسفراء إلا أن النظام الدبلوماسي بشكله الذي ترمي أنت إليه حديث نوعا ما، ويختلف حتى التعريف له من تجربة لأخرى حسب الدول، وهذا مبحث لوحده. ولكن، عليك أن تعلم أن شيوخ القبائل الصحراوية كانوا بالفعل يعقدون الاتفاقيات مع الدول المجاورة، وهناك الكثير من الشواهد التاريخية على ذلك في أرشيف الوثائق الاسبانية، والبرتغالية والبريطانية بالأساس.

ولمعلوماتك أيضا أن القرون الوسطى وإلى غاية القرن التاسع عشر عرفت تجاذبات وصراعات وحروبا ووقائع كثيرة بين قبائل الصحراء الغربية وعدد كبير من بحارة ومواطني الدول الغربية. وقد وقع آلاف البحارة والقراصنة الإسبان، والفرنسيين، والبريطانيين، والأمريكيين، والبرتغاليين، وربما غيرهم في الأسر لدى القبائل الصحراوية، حيث كانوا لا يطلق سراحهم من قبل دولهم إلا باتفاقيات مباشرة مع القبائل الصحراوية عبر دفع الفدية. وفي مناسبات كثيرة كان السلاطين المغاربة أنفسهم يدفعون هذه الفدية نيابة عن الدول الغربية الصديقة لهم، ويسلمونها للقبائل الصحراوية من أجل الحصول على أسرى أجانب بطلب من دولهم، وغالبا ماكان يتم ذلك بوساطة من قبل أعيان منطقة وادي نون، أو ما يعرف الآن بجنوب المغرب، نتيجة العلاقات الأسرية والتجارية التاريخية بين قبائل هذه المنطقة التي تعتبر قبائلا صحراوية على كل حال، والقبائل التي كانت تسكن الصحراء الغربية المتعارف عليها حاليا بحدودها المعاصرة. ولم يكن هذا اعتداء من الصحراويين، بل كان دفاعا مشروعا عن بلادهم ضد محاولات الغزو الأجنبي، وضد القراصنة والبحارة الأروبيين الذين اعتدوا مرات كثيرة على العائلات الصحراوية التي تقطن بجانب البحر، وهناك شواهد كثيرة أيضا على هذه الغزوات الغادرة للبحارة الأجانب في مذكرات العديد منهم، خاصة البحارة الاسبان والبرتغاليين والأمريكان، ويمكن العثور على أدب كامل وتاريخ وشواهد ووثائق كثيرة عن هذا الموضوع.

اعتراف ملوك المغرب بعدم ملكيتهم الصحراء الغربية

المهم في الأمر هو أن السلاطين المغاربة، وسأعطيك مثلين، كانوا يؤكدون للاسبان ولغيرهم أن سلطتهم لا تتعدى أكادير. ويقولون بوضوح أن الصحراء الغربية بلد خارج عن سيطرتهم وأن به قبائل عربية لا تعترف بسلطان أحد (وسأبعث لك وثيقة طويلة فيها الكثير من الشواهد إن أردت القراءة، وهي من جملة وثائق محكمة العدل الدولية تقدمت بها الدولة الاسبانية وأوردت فيها عددا كبيرا من الرسائل، والمراسلات، والوثائق التي لديها إما من سلاطين المغرب أو من قناصلتها في المغرب).

وهنا لا بد من التذكير ببعض الشواهد التاريخية المغربية الهامة التي تبين ما أسلفناه من أن الممالك المغربية لم تسيطر قط على المناطق الواقعة جنوب الأطلس الصغير، فما بالك بالصحراء الغربية:

  • مثلا أورد المؤرخ المغربي، أبو القاسم الزياني، في كتابه “الترجمانة الكبرى” بأن حدود المغرب الجنوبية تقف عند واد نون ولا تتعداه.
  • وأكد المؤرخ المغربي المعروف، أحمد الناصري، المتوفي سنة 1897م، في كتابه “الإستقصاء لأخبار المغرب الأقصى” في صفحته 630 أن “حد المغرب الأقصى من جهة الغرب البحر المحيط ومن جهة الشرق وادي ملوية مع جبال تازة ومن الشمال البحر الرومي ومن الجنوب جبل دزنة (أي درعة) قاله إبن خلدون.”

ولنطلع الآن على شهادات ملوك المغرب أنفسهم

  • فهذا السلطان محمد بن عبد الله (1710-1790) يوجه رسالة جوابية إلى الملك كارلوس الثالث، ملك إسبانيا في 30 ماي 1767م، الذي طلب الإذن من الملك لبناء مستعمرة بالشواطىء القريبة من وادي نون. ليجيبه الملك المغربي دون لبس: “حول إقامة الكناريين موقعا على شواطئ واد نون للصيد، نحن متأسفون لأن ذلك سيكون في غير صالحكم، فسيثير عرب تلك المنطقة لكم ولرعاياكم المشاكل لأنهم غير خاضعين لأحد، ولا يخشون أحدا ولا سلطان لنا عليهم، وهذا كان مصير الإنجليز قبلكم إذ هاجمهم أولئك العرب. .”

ويضيف: “أما شواطئ سانت كروز دي ماربيكينا فلا يمكنني تجاوزها ولا أتحمل المسؤولية عما يمكن أن يقع فيها لأنها غير خاضعة لقوانيننا”.

ولمن لا يعرف أين تقع “سانتا كروز دي مار بيكينيا” هذه، نقول له أنها منطقة طرفاية الواقعة أقصى شمال الصحراء الغربية حاليا.

  • من جهته، لم يكن بوسع السلطان سليمان (1792-1822) إلا أن يكرر نفس التنبيه لأصدقائه الإسبان في اتفاق سلام معهم موقع في واحد مارس 1799م، حيث نص هذا الاتفاق في بنده 22 على ما يلي:

“في حالة غرق باخرة إسبانية في واد نون أو شواطئه حيث لا يمارس جلالة سلطان المغرب أية سلطة، يقدم رغم ذلك كعربون صداقة لجلالة الملك المسيحي كل ما في وسعه من إمكانيات لإنقاذ البحارة ومن معهم”.

ويمكن البحث في المراسلات الرسمية بين سلاطين المغرب وملوك الممالك الأوروبية، خاصة اسبانيا، والبرتغال، وبريطانيا لإيجاد الكثير من الشواهد الإضافية.