تقرير المصير...التطبيع والظاهرة المصرية.

اختلف ما شئت مع االرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر و قل عنه او فيه ايضا ما تشاء ، لكن يبقى احترامه لحق الشعب السوداني في تقرير  المصير، واحترام سيادته بعد ذلك. امر جدير بالدراسة وبالاعجاب.

تاريخ طويل من تبعية السودان للقاهرة، سياسيا اضف اليه تجانس ثقافي واجتماعي و حضاري، حتى الاستعمار البريطاني عندما احتل البلدين، ظل يشير الى ان ادارة السودان مشتركة بين لندن والقاهرة. الوثائق البريطانية والعثمانية وحتى مصر الملكية، تكفي لاي ادعاء مصري او مطالب بالسودان.   كل هذا وضعه عبد الناصر جانبا واستشار السودانيين. لان التاريخ ليس بريئا  ولا منزها عن الاحتلال او فرض الوصاية، او قهر شعب في وقت من الاوقات. وليس اولى او اهم من تقرير المصير.

قل ايضا ما شئت عن الشعب المصري ، لكن يظل رفضه للتطبيع و نبذه لكن من زار اسرائيل او ظهر مع اسرائيليين تحت اي عنوان ثقافي، اكاديمي، اعلامي او فني. جدير بالدراسة وبالاعجاب ايضا. اكثر من اربعين سنة والشعب المصري متمسك برفضه رغم المقاطعة العربية في بداية التطبيع الرسمي ، حتى النظام نفسه ظل سلامه بارد مع تل ابيب ، وضع الشعب المصري جانبا كل الحجج التي ساقها النظام لتبرير التطبيع، لم يقل، لنا جالية يهودية كبيرة ونوعية هاجرت الى اسرائيل ، لم يزايد بان موسى اعظم انبياء اليهود ولد وتزوج وعاش في مصر. لم يزايد بان اسرئيل نفسه (يعقوب) وابناؤه الاسباط زاروا مصر واقاموا فيها حينا من الدهر. لان الشعب المصري لا يرى في اسرائيل سوى دولة احتلال تأسست على الظلم وابادة شعب وسرقة ارضه وتاريخه . وان ذاك تاريخ وناس لا علاقة لهم بهذا الشتات الاوروبي. هذه هي الحقيقة التي يراها المصريون وهذا مايتعاملون معه وبه.

في المقابل اتفق  ما شئت مع  الحسن الثاني و قل عنه  كما تشاء، لكن يبق غزوه للصحراء الغربية وتهجير وتقتيل شعبها ، وصمة عار تلاحقه الى الابد. سيظل رفضه لحق الشعب الصحراوي في تقرير المصير واستناده في تبرير ذلك الى تاريخ مكذوب، ومختلق، عار وجبن رحل به وورثه لابنه من بعده.

لا تاريخ مشترك لا قصر ولا قبر للمغرب في الصحراء الغربية، لا وثيقة غربية او شرقية او حتى مغربية تؤكد زعم ملوك المغرب، المبني اساسا على خارطة متوهمة في عقل سياسي انتهازي يدعى علال الفاسي. كل ما يملكه المغرب من ادعاءات قدمها لمحكمة العدل الدولية ، والتي اقرت في غياب الصحراويين او من يمثلهم . بانها لم تجد فيما قدم اليها اي مظاهر للسيادة المغربية وانها لا ترى مانع من تطبيق تقرير المصير .

الكارثة ان مايسمى النخب العربية خاصة مدعي الليبرالية ، لم يلتفتو الى خطوة ناصر في السودان، ولم ينصفو الرجل في هذا الفعل الديمقراطي جدا. وتتضاعف الكارثة في اجماع مايسمى النخب العربية الاسلامي على الليبرالي على اليساري على دعم الحسن الثاني في حربه على الشعب الصحراوي تحت مبررات شتى لا يجمعها سوى اموال القصر او اوهام الوحدة. لم يكلف احدهم نفسه زيارة هذا الشعب، ثم الحكم بعد ذلك . شيزوفرينيا يعيشها المثقف العربي يطالب بالديمقراطية وهوبعيد عن احترامها، يطالب بالعدل وهو ظالم ومؤيد لظالم.

اما الشعب المغربي و شعوب الخليج ، التي طبعت علاقاتها مع اسرائيل فقد ضربت رقما قياسيا في الخنوع والتهافت، هي ونخبها المدجنة ، فراحت تسوق المبررات والاعذار التي هي اقبح من الذنب ، فالمغاربة يزايدون بجالية يهودية ـ قبضوا ثمن عن كل رأس هاجر الى اسرائيل ـ والذي لا يريد المغاربة الاعتراف به هو انهم اعترفوا باحتلال ليعترف باحتلالهم . اما ما وصل اليه مهرجوا الامارات والبحرين من الابتذال  فلا يستحق تعليق.

بقلم أسلامة الناجم