رحلتي إلى جبهات القتال..إلى قلب المقاتل

كثيرا ما يشد انتباهنا هذا المقاتل في مواقف يحسد عليها حقا. فالحديث عن التضحية، البطولة، التحمل والصبر والقتالية... لا يمكن الحديث عن هذه الصفات مجتمعة إلا وتبادر إلى الذهن المقاتل الصحراوي، فهو حقا التجسيد الفعلي لكل هذه الصفات وأكثر. 

لكن ما يغيب عن أذهاننا غالبا هو المقاتل الإنسان، المقاتل الذي يحمل مشاعر وأحاسيس، المقاتل المحب، المقاتل المهموم بمسئولياته العائلية المقاتل الذي يرخي الدمع الذي يأبى ان ينزل من العين  في الليل البهيم وهو يتذكر أمََّا طريحة الفراش أو أولادا كان هو معيلهم أو عروسا تنتظر عودته بفارغ الصبر ليبعث الدفء في عش الزوجية. المقاتل الصحراوي أهل لكل الصفات العظيمة التي تحدثنا عنها في البداية، ولكنه مع كل ذلك وقبل كل ذلك يظل هو هو الإنسان في همومه وأوجاعه وأحاسيسه. كلما في الأمر أن بيئة الصحراء علمته كيف يداري المشاعر وكيف يدفن الدموع في قلبه الخفاق قبل أن تجد طريقها إلى عينيه! 

 

* الرحلة إلى جبهات القتال...الرحلة إلى القلوب:

حل موعد الرحلة إلى الجبهة الأمامية. لم أنم ليلتها فتجربة اللحاق بالمقاتلين ومشاطرتهم تفاصيل حياتهم وهم يرابطون على الجبهة وفي الخندق الأمامي، تلك تجربة كلها إثارة وتشويق وكد ومعاناة وتحديات. وتلك تجربة بالكاد أتذكرها وأنا الذي انقطعت عن حياة المقاتلين ثلاثة عقود. حزمت أمتعتي وحرصت أن يكون المتاع بسيطا وقليلا ، فأنا لا أريد أن أكون موضوع نكات رفاقي المقاتلين ودعاباتهم وأنا القادم للتو من أروبا (أدركت في اليوم الموالي أنني كنت مبالغا في توجسي ف "كردي" كان فقيرا جدا. وبادر الرفاق في الدورية إلى مد المساعدة لي بالأغطية والبطانيات. فقد ظهر أنني لم أعد العدة لبرد الشتاء القارس). 

في الصباح وجدت سيارة بانتظاري يمتطيها أربعة مقاتلين لم يسبق لي معرفتهم. أنضممت إلى رابعهم في حوض السيارة التي انطلقت باتجاه الغرب وهي تسابق الريح. 

حين التقينا بالدورية تعرف علي بعض مقاتلي الدورية من المخضرمين الذين أخذوا يمازحونني؛ "يا أخوتي أتكايسو مع ذو أهل أروبا راهم أمخسرتهم تمانوكت هوك!" وينخرطون في الضحك وأضحك لضحكهم. تلك لحظات سعادة لا تنسى.

بين العملية العسكرية والعملية التي تليها يجد المقاتلون متسعا من الوقت، نخلو لأنفسنا ونتجاذب أطراف الحديث ونحن نتحلق مجموعات حول الشاي الذي يطيب برفقته السمر. وبالقرب من الجلسة ترى مقاتلا أو اثنين منهمكين في إعداد العشاء، غالبا كسرة لفطير المتربة التي لا تخلو من بعض الحصى..الحديث لا يخلو من ذكريات الشهداء، ذكريات بطولاتهم وتضحياتهم التي لا يمكن أن تذهب سدى. وفي الجبهة يفرض الشهداء وجودهم بيننا يزاحموننا في ميدان القتال ويظل حضورهم طاغ في الحل والترحال. وفي الساعات الأخيرة من الليل نخلد سويعات قليلة للنوم، نفترش شوك السعدان ونبات "الجمرة" ولا حلم يراودنا غير معاودة دك جحور الغزاة وقواعدهم. 

تعود بنا الذكريات إلى الحرب الأولى، ويذكرني أحد رفاق السلاح الذي كان معي في الناحية الأولى كيف كنا نستبشر بإجازة الدفعة (الرخصة) ونأخذ في جمع مسواك أتيل هدايا لأهالينا وأحبتنا في المخيمات، وأما المقاتلين الأكبر سنا فخبرتهم تسعفهم في جمع كميات معتبرة من "العلك". ونتسابق نحن الأصغر سنا على كسب ود الرجال الأكبر سنا علهم يمنحوننا بعضا من العلك، تلك الهدية الثمينة! مساويك أتيل والعلك وأترية تفوح بدخان الحطب "المفيد في علاج أمراض العينين" هي كل ما يملك المقاتل زمن الحرب الأولى.

في الحرب الثانية اقترب موعد أول دفعة من الناحية التي ستستفيد من إجازة (رخصة). 

اقتربت من أحد الشباب الذي اعتدت ممازحته وقلت له مداعبا؛ " يا سعدك گايس المخيم ولاهي تشوف منيتك اصغيرة اللي ما فات عادت اتسگم اسمك ولاهي تشعبط فرگبتك فرحانة!" أجابني و وجهه يعلوه الكدر "صرتك ألا أمكدر عليا ذا السفر. بيا باط أمجييا ماه أمطري شي. ولا عندي ألتعطي ليمنى أليسرى! والله ألا نختير أنتم فالناحية!" تمنيت في قرارة نفسي لو لم أسأله. لقد قطع حاله قلبي ألما ولم أستطع إخفاء حزني . حين لاحظ حالي همس " يبوي متبري منك لا تفظحنا..أنت جاي باش تشجعنا على القتال والصمود وذرك ذا هو انت كيفت حد إگلب موتاه !" ثم أردف وهو يبتسم كأنه يواسيني؛  "وسخ الدنيا ما يحزمو لا يهم".

موقف آخر لن أنساه لأحد مقاتلينا من كبار السن أخبروه أنه سيكون ضمن تلك الدفعة  التي ستعود إلى المخيم في رخصة، لكنه فاجأنا برفضه الحاسم الذهاب في عطلة، وهو يقول دون رغبة في مناقشة قراره "أم العيال ألا مولانا يرحمها. والعيال ألا بلغو لو سلامنا و گولو لهم عنا ما عنا باس، ولانا راجعين عن  ذا مخينزو إلين يعرف عن مولانا واحد ويتگلب تل لا یرد بیه". 

لاحظت أن الهدية التي كانت قيمة في الحرب الأولى "المسواك والعلك .." في زمننا هذا - إن وجدا أصلا - لا قيمة لهما ماديا فالزمن قد تغير بدخول (المرسة) السوق في حياتنا و ما رافق ذلك من ماديات. 

* والرحلة إلى القلوب لا تقف هنا:

إذا كانت هموم اللجوء وقلة ذات اليد والحاجة أمور تلقي بثقلها علينا. لكن من واجبي التنبيه إلى حقيقة أعظم وأجل، وهي أن الواقع المادي لا يأخذ من تفكير المقاتل حيزا ويبدو ثانويا مقارنة بإيمانه الراسخ بعدالة هذه الرسالة والإستعداد بل والتسابق للموت من أجلها، رسالة قتال العدو الصائل الغاصب حتى تحرير الأرض وعودة اللاجئين ولم شمل أهالينا وفرض الإستقلال. وفي سبيل ذلك الهدف العظيم يهون كل ما دونها من هموم الحياة ومشاغلها. ما يشغل بال المقاتلين حقا ويتوجسون منه هو العودة إلى مسلسل السلام وخداع الأمم المتخاذلة (الأمم المتحدة) . في جلساتنا تجد الجميع يستمع إلى أخبار التاسعة ليلا في إذاعتنا الوطنية وكل ما يخشونه هو أن يلدغ سياسيونا من نفس الجحر مرتين لا قدر الله. فالقلوب مبتهجة بأصوات المدافع والمقاتلون يدعون الله في صلواتهم أن تستمر حرب الإستقلال حتى نيل الإستقلال كاملا غير منقوص. 

* رحلتي إلى جبهات القتال و وقوفي على المقاتل الإنسان لم يثر تجربتي الإنسانية فقط بل زاد في تعظيمي وانبهاري ومحبتي للمقاتل الصحراوي، المقاتل المعجزة. 

ويظل عيب الدار على من بقي في الدار

بقلم النخ بدة