تحتفل الجمهورية الصحراوية هذه الأيام بذكرى ميلادها الـ 45 . فلقد مرت عقود أربعة على ميلاد الدولة الصحراوية الفتية، وهي فترة زمنية قصيرة في عمر الدول ، وخلالها حققت الدولة الصحراوية من الإنجازات ما يلامس الإعجاز، ليس لأنها مكاسب تحققت في مدة وجيزة، بل لأنها حدثت في ظروف استثنائية تكالبت فيها عصبة من الدول، ومنها “دول عظمى”، للقضاء علينا ومحونا ـ كشعب ـ من الوجود.

فما بين سنة الميلاد والذكرى الـ 45 نجد أن الدولة الصحراوية لم تهزم فحسب المؤامرة التي تستهدف وجودها، بل أنها حققت مكاسب ملفتة رسخت “أنموذج الدولة” المرغوبة التي تدخل القرن الـ 21 من أوسع أبوابه. دولة القانون والمؤسسات، دولة المواطنة وحقوق الإننسان والحكامة، دولة تتعزز فيها مكانة المرأة بشكل مطرد، دولة تولي الاهتمام بالتنمية البشرية وتستثمر في الإنسان أولا .

هذا الأنموذج شكل على الدوام مصدر قلق وإزعاج لدولة الإحتلال التي “تتدثر” بخرقة تنتمي إلى القرون الوسطى تم تحديثها مع بداية القرن التاسع عشرـ على يد ليوطي ـ وعلى مقاس يخدم دولة الحماية ويضمن استمرار وجودها للتحكم في دوائر قرار الدولة “المخزنية”. والواقع أن  مصدر القلق هو مزاحمة النموذج الصحراوي المعاصر “والمجاور” لنموذج الدولة المخزنية الذي تتأسس فيه علاقة لا متوازنة بين الحاكم والمحكوم  مبنية على “الطاعة والرهبة والهيبة” التي يفرضها ملك مطلق الصالحيات على “رعية” لا تملك من أمرها شيئا!

إن الدولة، كما الثورة في الساقية والوادي، وجدت استجابة لارادة شعب، تم  الإعلان  عنها في ملتقى 12 أكتوبر التاريخي وانعكس في التعبير عنها بشكل جلي في صائفة 1975 الشيء الذي  رصدته   “لجنة تقصي الحقائق الأممية” أثناء زيارتها للمنطقة، وتجسدت الإرادة بإعلان الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية، فعلا سياسيا مفصليا في تاريخنا المعاصر.إن مخاض ميلاد الدولة الصحراوية كان عسيرا ؛ ورغبة العدو في القضاء  عليها – وهي في المهد – ظهرت مبكرا حيث ترافقت  إرادة الإلغاء  الإستعمارية و إرادة  شعبنا في الحياة على مدار العقود الخمسة المنصرمة.لقد برزت إلى السطح خلال هذا المسار الطويل طروحات تسائل الدولة الصحراوية و”ضرورة وجودها” في ظل حرب التحرير، ومنها ما يذهب بعيدا في مساءلة ضرورة وجودها أصلا كـ”دولة وطنية” في زمن التكتلات والمحاور.في هذه الورقة سنعالج في عجالة جملة  التساؤلات المطروحة، مذكرين بالسياق التاريخي الخاص الذي رافقإعلان الدولة الصحراوية، وعلاقة هذه الاخيرة بإشكالية “السيادة الوطنية” في سياق زمني أضحت فيه مساءلة المفهوم الصارم لـ “السيادة الوطنية” أمرا مشروعا، خاصة مع بروز نماذج ناجحة لتكتلات اقتصادية وسياسية تتنازل فيها الدول “جزئيا” عن سيادتها الوطنية.

الدولة الصحراوية “حتمية وجودية”:

مع سبعينيات القرن العشرين، بدا واضحا تنكر جيراننا في الشمال ـ وفي الجنوب ـ لوجودنا كشعب. هذا التنكر تحول إلى عداء سافر لوجودنا ورغبة تسلحت بالقوة الغاشمة للقضاء علينا بتواطئ مخز من القوة االستعمارية الإسبانية ؛ ولذلك لم يكن الإعلان عن الجمهورية الصحراوية، 27 فبراير 1976 ردا على “الفراغ القانوني” الذي تركه انسحاب الإدارة الإستعمارية من الإقليم فحسب،  بل كان، إلى ذلك،   إستجابة لإرادة شعبنا في تأكيد هذا الوجود .

تعد الدولة الصحراوية  الكيان القانوني الحاضن للشعب، والذي جاء بمثابة الرد الحاسم على إرادة الفناء التي بيّتها لنا الأعداء. من هنا نفهم أن ارتباط الشعب بالدولة كان، ولايزال، ارتباطا “وجوديا” : فمن نافلة القول استحالة تصور وجود شعبنا خارج اطار دولته،  لذا يكون إنتفاء الدولة مقدمة لإنتفاء الشعب، وفي المحصلة إنهاء وجوده بمعنى وجوده ككيان سياسي. هكذا يصبح غياب الدولة أقصر طرق القضاء علينا كشعب استلابا وذوبانا..إن استيعاب هذه الحقيقة الماثلة (الدولة الصحراوية وارتباطها بوجودنا كشعب) يسهل علينا فك طلاسم كل الأسئلة المتعلقة بالدولة الصحراوية وضرورة وجودها.

الدولة الصحراوية والمفهوم المرن للسيادة:

يثار أحيانا مفهوم سيادة الدولة الوطنية، من باب الإعتراض على إصرار الشعب الصحراوي على قيام دولته كاملة السيادة وبسط نفوذها  ؛ وتأتي”وجاهة” الإعتراض من كون المفهوم الصارم للسيادة الوطنية أصبح جزءا من الماضي في زمن أضحت الدولة الوطنية تتنازل  طواعية عن سيادتها “جزئيا” مقابل عضويتها في كيانات وتكتلات سياسية واقتصادية كبرى، وتلك حجة مجتزأة لا تنطبق بحال على الحالة الصحراوية. فصراعنا كشعب وكدولة هوصراع على السيادة، ووفقا للقانون الدولي فالشعب الصحراوي وحده يملك الحق الحصري في التصرف بمستقبله باعتباره المالك الوحيد لسيادته على الأرض  والتنازل جزئيا أو كليا عن السيادة يفترض قبلا ممارسة تلك السيادة و تسليم “الآخر المتربص” بها. أما حين تكون السيادة موضع تربص بل واعتداء ذلك الآخر، حينها يتحول فرض الدولة والشعب إلى معركة وجود والحال هذه – وهي حالنا – يصبح الحديث عن أي تنازل كلي أو جزئي عن السيادة حديثا خارج السياق ..

الدولة الصحراوية ومفهوم “الدولة الوطنية”:

في ذات السياق  يظهر مفهوم “الدولة الوطنية” مرتبطا بشكل وثيق بمفهوم السيادة . فالتخلي كليا أو جزئيا عن السيادة يستتبع بالضرورة مراجعة المفهوم الصارم للدولة الوطنية، بل ويذهب البعض إلى إمكانية التخلي “الطوعي” عن الدولة الوطنية لصالح كيانات سياسية واقتصادية أكبر  ..لكن الدولة الوطنية الصحراوية مرتبطة “وجوديا” بالدولة الوطنية ـ على الأقل حتى تحقّق الإستقلال النهائي ـ والتعامل مع هذه الدولة بندية واحترام. حينها فقط يمكن الحديث عن تنازل “جزئي” لمصلحة كيان “مغاربي مثلا ” يتم التعامل مع  وبين كل مكوناته على قدم المساواة دون تهميش أو اقصاء. ولنا في نموذج الإتحاد الأوروبي أبرز مثال، وهو الإتحاد الذي لم يقم على حساب دول صغيرة ،أعضاء فيه (اللكسمبورغ نموذجا) ؛ بل على أسس من الإحترام المتبادل والندية واعتبار كل الأعضاء شركاء ضروريين لبناء المستقبل المشترك.

والخلاصة أن أي حجة تقدم نماذج بديلة كـ “نموذج الدولة العابر للحدود Transnational” ،” الدولة فوق الوطنية “Supernationalأو “ما بعد الدولة الوطنية” Post-national “لتبرير التطاول على حقنا في إقامة دولتنا المستقلة ذات السيادة، ستظل حجة قاصرة عن فهم واقعنا السياسي لأنها لا تأخذ في الإعتبار السياق الخاص المميز الذي رافق قيام الدولة الصحراوية وارتباطها “الوجودي” بالشعب الصحراوي باعتبارها الحاضن والإطار القانوني لكيانه السياسي ؛ و سيظل تسويق مثل تلك الحجج لربطها بالحالة الصحراوية مجرد ترف فكري منبت الصلة بالسياق الزمني والواقع السياسي والضرورة التاريخية المرتبطة بميلاد الدولة الصحراوية ، والتي تظل  حتمية وجودية وحقيقة لا رجعة فيها.