تمريغة عَرْ... بقلم مبارك سيدأحمد مامين

لم أجد من توصيف يليق بما تقوم به ديبلوماسية الرباط هذه الأيام سوى " تمريغة عر " ، وهي " تمريغة" تحدث عنها النائب الموريتاني محمد بوي ولد الشيخ فاضل سابقا ، فعر / الخنزير البري له الكثير من العادات السيئة التي غالبا ما تكون مصدر إزعاج لمحيطه بشراً كان أو حيوان ، ولكن عر له عادة عندما يفعلها فإنها تكون إشارة لانسحابه من المكان ، خصوصا عندما يحاول أن يشرب دون وجه حق و يُمنع من ذلك فيقوم بالقفز في حوض الماء بهدف تلويثه بالتراب و الأوساخ ، ولكن رغم كل ذلك فإن الإيجابي في هذه الخطوة ، التي تسمى عند أهل موريتانيا ب ( تمريغة عر ) ، أنها دائما ما تكون آخر ما يقوم به العر ليرحل عن المكان بعدما أصابه اليأس .

 

لهذا فما يقوم به بوريطة بتعليمات مسبقة من الذين فوقهه هو الأقرب إلى " تمريغة عر " ويتجسد هذا في خطوة قطع العلاقات مع إيران قبل سنوات وصولاً لإعلان بوريطة أمس قطع علاقات التعاون و الإتصال مع ألمانيا عبر سفارتها بالرباط بمبرر ( سوء فهم ألمانيا لعدد من القضايا المهمة للمغرب ) ،وهنا المعني طبعا هي قضية الصحراء الغربية ، والأهم أنها إشارات تثبت بشكل واضح أن المخزن يتجه للهاوية بكل ما تحمل الكلمة من معنى ، بعد فشله في إقناع العالم بما يسمى "مغربية الصحراء " بالإضافة لتطورات الوضع الميداني الذي لازال في مرحلة التسخينات . و رغم أن الوقت ما يزال مبكراً لتظهر هذه الأعراض على خارجية الرباط بحكم أن الحرب في بدايتها ، إلا أن المخزن بدأ يصله لهب المعترك الجديد الذي تمر منه القضية الصحراوية ما نتج عنه ترنح و ارتباك جديد والأكيد أنه لن يكون الأخير .

 

ورغم أن خارجية المغرب أشارت ضمنياً أن سبب الخطوة الأخيرة هي قضية الصحراء الغربية ، إلا أن المبرر الذي ترتكز عليه ديبلوماسية الرباط دائما في هكذا خطوات لايصمد أمام القرائن والحقائق الساطعة التي تجعل من المخزن أضحوكة أمام العالم . فإذا كان سبب قطع علاقات التعاون و الإتصال مع ألمانيا سببه دعم الأخيرة لحق تقرير المصير ، فلماذا لا يفعل المغرب نفس الخطوة اتجاه دول أخرى كروسيا التي قالت صراحة أن " قرار ترامب اتجاه الصحراء الغربية اعتداء على القانون الدولي " ، أو اتجاه الجزائر وجنوب إفريقيا و بنما وموريتانيا ... الخ وهي دول تعترف بالجمهورية الصحراوية وتربطها علاقات ديبلوماسية و اقتصادية بالرباط ؟ ، لماذا لم يفعل نفس الخطوة اتجاه إسبانيا التي لم يخفي السياسيين و الإعلاميين المغاربة "امتعاضهم " من موقف الخارجية الإسبانية المعارض لإعلان الرئيس السابق ترامب ، بل وذهبت مدريد إلى أبعد من ذلك واعتبرت سبتة و مليلية جزء لا يتجزأ من التراب الإسباني ؟؟!! .

 

فالمتابع لأداء الديبلوماسية المغربية ، التي تتحرك وفق توجيهات مباشرة من فؤاد علي الهمة مستشار الملك ، يلاحظ الإرتباك الكبير الذي ظل مرتبطاً لسنوات بخارجية المخزن التي تُظهر يوماً بعد الآخر عدم قدرتها على إقناع العالم بما تسميه ( سيادتها على الصحراء الغربية ) ، وهي معركة تعتمد فيها الرباط على بيع الخواء للدول من خلال مشاريع وهمية يستحيل على خزينة المغرب المثقلة بالديون الخارجية تحقيقها ، بالإضافة لسياسة دفتر الشيكات اتجاه الديبلوماسيين و بعض الشخصيات المؤثرة دوليا ، ولكن المغرب دائما ما يعود ليصطدم بالحقيقة المرة التي لا يمكن تجاوزها مهما قدم من وعود للخارج ، و المتمثلة في البعد القانوني للإقليم المصنف كقضية تصفية استعمار في اللجنة الرابعة للأمم المتحدة . 

 

هذا الفشل الذي التصق بالديبلوماسية المغربية ، دائما ما يدفع بها لتقديم شطحات للتسويق الداخلي و الخارجي وتصدير صورة سيادة مزعومة على الإقليم ، بدءً بموضوع القنصليات بقيام الرباط بجر عدد من الدول لفتح قنصلياتها في الصحراء الغربية ، رغم أن المتأمل جيداً لهذه " الشطحة " سيجد أن هذه الدول التي فتحت قنصليات نوعان : إما ستجدها دول فقيرة ، بعضها فتح قنصلية مقابل 60 سيارة تيوتا دفع رباعي أو مِنح للطلبة ... الخ ، أو إما دول من محميات الخليج التي كانت أصلا إلى جانب المغرب في مغامرته التوسعية سنة 1975 ، ولكن السؤال الذي كان طابو على الصحفيين المغاربة ، ويُمنع طرحه على بوريطة خلال ندواته الصحفية بالعيون و الداخلة هو : لماذا لم تفتح حتى الآن دول وازنة لها ثقلها في المنطقة قنصليات بالإقليم ،وهنا نتحدث عن ( فرنسا - إسبانيا ) كراعيتين للمغرب و دول أخرى ك ( بريطانيا و الصين و روسيا ) أما أمريكا فلحد الآن لم يتم الإتفاق على تاريخ محدد لفتح " القنصلية الإفتراضية " ، بمعنى آخر وكما يقال ( يْلِين يخلكَ ونسموه ) .