الأخبارمقالات

ماذا تخفي زيارة محمد السادس إلى الإمارات!؟ (بقلم: محمد مغاديلو)

تاريخ حافل بالمتاجرة والمقايضة السياسية المشبهوة
ماذا تخفي زيارة محمد السادس إلى الإمارات!؟
بقلم: محمد مغاديلو
قام العاهل المغربي بزيارة رسمية الى الامارات العربية المتحدة يوم 4 ديسمبر 2023 الفارط، بدعوة من رئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان في إطار “تعزيز العلاقات و رسم شراكة سياسية، إقتصادية و تنموية، كأهداف ظاهرة و معلنة من هذه الزيارة التي تعتبر أول خرجة سياسية و رسمية للملك المغربي خارج المغرب بعد سبات سنوات من السيبة و التيه السياسي الذي يقوده وزير خارجيته بوريطة.
و تتقاسم الامارات العربية و المملكة المغربية مبدأ المتاجرة بالسياسة او المقايضة السياسية فيما يتعلق بالاعترافات المتبادلة بالسيادة المزعومة على حساب أراضي الغير و ممتلكات الجيران، إذ يؤكد المغرب على دعمه الثابت والدائم لسيادة الإمارات العربية المتحدة على جزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى و في المقابل، عبرت الإمارات العربية المتحدة عن دعمها للسيادة المغربية على أراضي الصحراء الغربية المحتلة عبر فتح دولة الإمارات لقنصلية عامة بمدينة العيون المحتلة في 4 نوفمبر 2020.
و من المرجح أن يعمل الطرفان على تسهيل عمليات التوريد الاقتصادي و الغذائي و التزويد بالغاز و النفط اضافة الى كل المهام الخبيثة للاحتلال اليهودي -الذي يعيش أزمة خانقة بسبب الحرب-، خاصة أن هذين البلدين يعتبران من الاطراف العربية الموقعة على اتفاقيات أبراهام مع الجانب الإسرائيلي و التي تلزمهما حملا ثقيلا يتعدى مستواهما الطبيعي في التحمل الامني، السياسي و الاقتصادي بما يجعلهما ذليلين تحت الجناح الصهيوني كطرف رئيسي و الامريكي كوسيط في عملية التطبيع العربي المشين.
و في إطار التموقعات الجديدة التي تنسج خيوطها في حدود خارطة دول العالم على خلفية الصراعات القطبية بين الشرق و الغرب للظفر بالزعامة، فمن المؤكد أن تتقارب وجهات النظر بين الدولتين في رسم إستراتيجيات كل شر سيلحق بالدول العربية التي تخلفت عن ركب المطبعين مع الاحتلال الصهيوني في إطار نسغ المؤامرات السرية التي تحاك في الغرف المظلمة بزعامة الولايات المتحدة الامريكية و حلفائها في المنطقة كالدول العربية المطبعة و “إسرائيل” نموذجا.
و كانت ترى المملكة المغربية أن لها الأولوية في زعامة دول شمال إفريقيا بلعب دور الشرطي المتسلط حين كانت فرنسا تهيمن على السياسة الافريقية في الشمال و الساحل و الصحراء، و لكن بعد انسحابها -فرنسا- من اللعبة السياسية مع بداية عشرينيات هذا القرن بقوة ضغط الزعماء الافارقة الجدد الرافضين للتواجد الاجنبي في شمال القارة الافريقية، صار من الملح جدا للمغرب البحث عن مفترس جديد “الإمارات العربية” يحتمي بظله لفك العزلة السياسية التي تقسم ظهره على مستوى اروقة الاتحاد الافريقي خاصة و التكتلات الافريقية الامنية، السياسية و الاقتصادية.
المغرب الذي أنهكته ثلاث سنوات من الحرب المتواصلة مع جبهة البوليساريو، يلهث خلف الدول المستثمرة في الحروب ك “بعض دول الخليج” لضمان تمويل حرب جائرة في الصحراء الغربية مقابل مناطق نفوذ و طرق تجارية و مناجم و ثروات برية، جوية و بحرية عذراء في الاراضي الصحراوية المحتلة. و الامارات التي تسيطر على مجمل الموانىء و الطرق البحرية في العالم، تبحث عن مسارات و ممرات بحرية آمنة لحماية وارداتها و صادرتها من و الى دول الشمال ك”المحيط الاطلسي و مضيق جبل طارق” في ظل عدم توفر الآمان في طرق الملاحة البحرية المعتادة و التي اصبح يسيطر عليها اليمنيون و الدولة الإيرانية، بحيث تم تهديد كل البواخر التي تحمل الاسناد او الدعم للاحتلال الصهيوني منذ بداية العدوان الاسرائيلي على قطاع غزة.
و قد دلت المغراب كل اطرافها اللينة لدولة الامارات من اجل توفير السيولة المالية لتنفيذ المشاريع “التنموية” خارج الحدود المغربية رغم عدم جدواها لمزاحمة الجزائر في إنجاز أنبوب الغاز العابر للقارات “نيجيريا-الجزائر” في الوقت الذي يبحث فيه الاروبيون عن البديل للغاز الروسي على خلفية حرب روسيا و اوكرانيا، بالمقابل ستستثمر الإمارات بأسهم في إستغلال منجم فوسبوكراع للفوسفات الصحراوي.
فبعدما نجحت الجزائر في تهيئة و تأثيث المعبر البري مصطفى بن بولعيد في الحدود الجنوبية الغربية للجزائر و وضع حجر الأساس لإستغلال منجم غار أجبيلات و وضع الطريق المعبد الرابط بين تندوف الجزائرية ومنطقة ازويرات الموريتانية حيز الإنجاز -بما سيضمن انتعاش اقتصادي و تبادل تجاري حر و اولوج سلس للسلع الجزائرية الى معظم الدول الافريقية-؛ سارع النظام المغربي الى توقيع جملة من مذكرات التفاهم مع الجانب الاماراتي بخصوص تسيير المطارات، الموانيء و الطرق البرية، بحيث أن ميناء الداخلة المحتلة يعتبر من بين إهتمامات الاستراتيجية الاستثمارية الإماراتية الغير معلن عنها ضمن التفكير المستقبلي للسيطرة على كل الموانىء ذات الموقع الاستراتيجي في مختلف دول العالم، خاصة أنه يتعلق بمنفذ الحلم الى القارة الافريقية و بتسهيلات و فاتورة صفرية من لدن المغرب.
و بذريعة توفير الحماية لكل هذه المصالح، شرعت المملكة المغربية لنظيرتها الاماراتية ببناء قاعدة عسكرية (طائرات مسيرة، آليات عسكرية ثقيلة و جنود مرتزقة من كل العالم) على التخوم الجزائرية لردع الهجمات الشرسة لبواسل جيش التحرير الشعبي الصحراوي من جهة و لزعزعة الأمن و الاستقرار الداخلي للدولة الجزائرية.
رغم ذلك، أثبتت الجزائر علو كعبها في التقدم الملحوظ على أكثر من صعيد عسكريا، دبلوماسيا و اقتصاديا، كقوة ذات وزن في شمال أفريقيا بشهادة كل الخبراء من خلال المبادرات الاقتصادية الناجحة و مسودات الحلول للأزمات التي تعيشها المنطقة و قدرتها الباهرة على إنجاح و تنظيم الملتقيات الدولية في السياسة، الاقتصاد و الرياضة إضافة إلى وقوفها المستميت مع الحق في كل الظروف و الأحوال.
فتمسك الجزائر بمباديء الشرعية الدولية في القضايا العالمية، كالوقوف السرمدي مع الحقوق المشروعة للبلدان التي تقبع تحت نير الاحتلال في الحرية و الاستقلال كحق قيام الدولة الفلسيطية و عاصمتها القدس المحتلة و حق تقرير مصير الشعب الصحراوي، و رفضها كل أشكال التطبيع مع الاحتلال الاسرائيلي و نأيها عن الدخول في التحالفات المشبوهة القائمة على أساس “الغاب” على حساب المستضعفين، كل هذا جعل الجزائر مستهدفة بشكل مباشر من قبل هواة الاستعمار بالوكالة للشعوب العربية المغلوب على أمرها.
تعي الجزائر جيدا كنه كل مؤامرة فتسارع إلى إفشالها في مهدها و تتعامل مع كل دسيسة بحنكة سياسية عبر “رد الصاع صاعين” من خلال دبلوماسية رزينة، عتيدة و محترمة على مستوى الساحة العربية، الافريقية و الدولية.
فالجزائر التي تطبق في معاملاتها الخارجية معنى المثل العربي القديم “ما حك جلدك مثل ظفرك” في الإعتماد على الذات، تثير حفيظة و غيرة بعض الدول العربية و خاصة الجارة المغربية التي دأبت التنفس بهواء الاخرين و العول عليهم في أبسط الشؤون.