لفهم ” الإعلام الحربي “(بقلم: أمبارك سيدأحمد مامين)

تتعدد منهجيات وطرق الحروب الحديثة ، وكل منهجية لها نقاط استهداف محددة ، و الأهم أنها تتطلب إلمام و فهم لتقنياتها ، فالحروب الكلاسيكية تجدها تستهدف الجيوش و المباني و المناطق الإقتصادية … الخ ، أي أن الهدف هنا هو الوصول للضرر المادي المباشر ، وهذا النوع المادي للحروب بقى ثابتاً إلى اليوم ، ولكن أصبحت ترافقه أنواع أخرى من الحروب تكون ساحتها الأساسية الإعلام و الدراما كأدوات مؤثرة للحرب ، والهدف هنا قد لا يكون الغرض منه استهداف العدو مادياً بشكله المباشر ، بقدر ما يكون استهدافاً للمعنويات وأحيانا كثيرة ضرب مصداقية العدو .

و الإعلام كان ولازال مرافقاً ضرورياً لابد منه أثناء الحروب ، بل تطور ذلك حتى أنتج لنا الخبراء ما يطلق عليه الآن ب ” الإعلام الحربي ” ، وهو نوع من الإعلام يُعرّفه أهل الإختصاص ب ” الإعلام الذي يرى فيه المواطن قوّاته المسلحة ” ، و بالإضافة لهذا التعريف المختصر ، فإن الإعلام الحربي يحقق الحماية الأمنية لتحركات الجيش و العمليات العسكرية و أي شيء يتعلق بالقوات المسلحة ، كيف ذلك ؟ . فالجيوش ( خاصة تلك التابعة للحركات المسلحة ) كان يُفرض عليها في السابق استقدام صحفيين يوصفون” بالحياد ” لمرافقة العمليات العسكرية الميدانية لتوثيقها وإثبات الخسائر المادية في قوات العدو ، ولكن كان هذا الأمر بحد ذاته من الثغرات الأمنية التي كانت أجهزة دولية تستغلها من أجل الحصول على المعلومات الميدانية ، فكم من صحفي رافق الجيوش على أساس توثيق ما يحدث ولكنه يبيع المعلومات و الصور الحساسة لأجهزة دولية .

ومع التطور الذي عرفته التيكنولوجيا و الإنتشار الواسع لمستخدمي مواقع التواصل الإجتماعي ، أصبحت الجيوش تستغنى عن جلب الصحفيين الأجانب ( لما يشكله الأمر من خطورة أمنية على الجيش بحد ذاته ) ، و تعتمد بدل ذلك على أذرعها الإعلامية العسكرية لتوثيق كل ما يجري ، وبث ما تراه مناسبا ، مع التعامل بما ينسب مع أي صورة أو شريط من شأنه تقديم معلومات للعدو .

وعادة ما يكون ” الإعلام الحربي ” ( سواء التابع لوزارة الدفاع في أي دولة ، أو التابع لغرف العمليات الخاصة بالحركات المسلحة ) مستقلاً عن القنوات التلفزية و الإليكترونية التابعة للدولة ، و يتْبع بشكل مباشر لوزارة الدفاع و أجهزة الأمن ، ويبث المادة المصورة على السوشيل ميديا أو الموقع الاليكتروني المخصص لهذا الغرض ، وبعد ذلك يمكن لأي كان ( أفراد – مؤسسات إعلامية رسمية و مستقلة محلية و أجنبية ) استخدام تلك المادة بتنزيلها من مواقع التواصل بعد نشرها من غرفة العمليات الخاصة بالإعلام الحربي ، الأخير الذي تكون مسؤوليته ترتكز على غربلة المادة المصوّرة بشكل جيد و بعد ذلك إخراجها بشكل متقن من ناحية الخطاب و القالب أي الصورة / الصوت ، وقبل ذلك تحديد الزمان المناسب ، وذلك لكون أفراد الإعلام الحربي يقومون بشكل يومي بعملية استطلاع لجمع الاستنتاجات عن الحالة النفسية للمجتمع و المزاج العام ( من خلال ما يدور في مواقع التواصل ) ومن خلال ذلك يمكن تحديد محتوى المادة التي ستنشر و النقاط التي تستهدف ( تفنيد دعاية / رفع المعنويات .. الخ ) .

وقد يتسائل بعضنا : لماذا يجب التكتم على هوية أعضاء الإعلام الحربي ؟ ، و الإجابة ستكون أنه من الطبيعي إخفاء هوية أفراد الإعلام الحربي ، لذلك ستجدهم ملثمون أو يضعون أقنعة سوداء تخفي وجوههم ، و يرتدون زي عسكري طُبعت عليه كلمتان ” الإعلام الحربي ” ، بالإضافة لقلة عددهم بحكم أن أفراده يتم انتقائهم بعناية . و أغلب العاملين في مجال الإعلام الحربي ، خاصة التابع منه لحركات التحرر ، ستجدهم مجهولين و التكتم على هويتهم هو السائد ، وذلك لعدة أسباب ، أهمها يرجع لخطورة المعلومات التي يشتغل بها أفراد الإعلام الحربي ، فهم يشاهدون صور و فيديوهات كمادة خام قد لا تصل للعموم ، ولا يمكن لأي كان الحصول عليها ، وحتى و إن وصلت تلك الفيديوهات لعامة الناس ستكون بعد معالجتها بالقطع و اللصق و إخفاء أشياء محددة ( مناطقة / أفراد .. الخ ) وهذا تتطلبه بعض المواد المصورة .

  • كيف يتعامل الإعلام الحربي مع أخبار ارتقاء الشهداء ؟

استنتج أغلب العاملين في هذا المجال ( الإعلام الحربي ) أنه أصبح من المستحيل التكتم على مواضيع ارتقاء شهداء بعد أي معركة أو هجوم ، في ظل التطور التيكنولوجي و الاستخدام الواسع لمواقع التواصل الإجتماعي ، وحتى و إن تم التكتم على الشهداء رسمياً فإن عموم المجتمع سيتداول تلك الأخبار ، وذلك لصعوبة ضبط الفضاء الرقمي ، و بالتالي فإن الأمر يُستثمر أحيانا من طرف العدو للحصول على المعلومات و ثانيا وهو الأهم ضرب المعنويات و التشكيك في قدرات الجيش أو المقاومة ، بتالي كان السؤال هو ” ما العمل ؟ ” ، هكذا كان يتسائل الفاعلون في هذا المجال خاصة في غرف العمليات التابعة للجيوش النظامية و الغير نظامية في المشرق العربي ، فماذا فعلوا للتعامل مع هذا الأمر ؟ .

لقد قاموا بإعداد لكل جندي ، سواء كان تابع لجيش نظامي أو غير نظامي ، ملف عسكري يحتوي على كافة معلوماته ، ومع هذا الملف ستجد ذاكرة وميضية أو ” يوسبي USB ” تحتوي على مشاهد متحركة ” فيديوهات ” توثق لحظات التدريب الخاصة بهذا الجندي ، وعملية تصوير هذه المشاهد يشرف عليها بشكل خاص أفراد الإعلام الحربي . وبعد تصوير مشاهد كافية لهذا الجندي يتم تسليم الذاكرة الوميضية للأرشفة مع الملف العسكري ، وعادة ما تشمل هذه العملية الجنود المتواجدين في الخطوط الأمامية المعرضين في أي لحظة لشرف الإستشهاد .

و مع نهاية كل شهر يتم جمع الملفات العسكرية للجنود الذين استشهدو خلال العمليات العسكرية ، وتنزيل المشاهد المصورة للشهداء أثناء قيامهم التدريب أو أثناء العمليات و تنظيمها و معالجتها مع موسيقى حماسية وفق رسالة إعلامية مركزة تمجد هؤلاء الشهداء بذكر أسمائهم و العمليات التي قادوها أو كانوا فاعلين فيها ، وكل هذا في قالب احترافي مميز ومؤثر ، وعادة لا يكون نشر ” إصدارات مرئية للشهداء ” اعتباطياً أو عشوائياً بل يتم تحديد توقيت مناسب للنشر يكون بالتزامن مع عملية كبرى ، وتحديداً في الوقت الذي تكون فيه معنويات المجتمع مرتفعة ، وهذا من شأنه أن يحقق هدفين إثنين ، الأول جعل ارتقاء الشهداء مناسبة لرفع معنويات العموم تزامنا مع عمل عسكري ما بحكم أن الشهداء هم الفاعلين و لولاهم لما حدث ذلك النصر ، وبالتالي قطع الطريق أمام العدو وجعل حدث ارتقاء الشهداء فرصة لرفع المعنويات بدل العكس ، أما الهدف الثاني تخليد الشهداء بما يليق بتضحياتهم ودافع معنوي للجنود الذين يشاهدون تلك الفيديوهات المخلدة لرفاقهم الشهداء ، وهم يقاتلون متيقنون أنهم سيخلدون في حالة استشهادهم كما تم تخليد من قبلهم .

وأختم بأن التقنيات و الإستنتاجات المختصرة السالفة الذكر ، توصلت لها من خلال متابعة فاحصة دامت سنوات للأذرع الإعلامية التابعة للجيوش النظامية و الغير نظامية ، خاصة تلك التي تعيش على وقع حروب شبه سنوية ، كما أن الحروب الإعلامية تعرف تطوراً مستمراً و سريعاً تُستخدم فيه أدوات أخرى غير تلك المشار لها سالفاً ، وقد تكون دراما أسلوبا قديما جديدا ، ولكنه أصبح الان من الأدوات المؤثرة في مثل هذه الحروب ، وهو ما يلاحظ من خلال رهان أنظمة سياسية ( خاصة في مصر ) على أفلام الدراما لتمرير خطابها السياسي ونشر رواية معينة عن أحداث و اضطربات مرت بها تلك الدول في فترات سابقة .