باريس تبحث عن بديل للغاز الروسي في الجزائر

سارعت فرنسا الخطى على أمل اللحاق بغريمتها إيطاليا، التي تقدمت أشواطا في علاقاتها التاريخية مع الجزائر، في وقت تمر فيه العلاقات الجزائرية الفرنسية بواحدة من أسوأ مراحلها، بسبب مواقف غير محسوبة من قبل المسؤولين في باريس، وعلى رأسهم الرئيس المنتهية ولايته، إيمانويل ماكرون.

وزير أوروبا والشؤون الخارجية الفرنسي، جون إيف لودريان، ومن دون إعلان مسبق لا من دائرته الوزارية ومن الجزائر، حط الرحال مساء الأربعاء في زيارة عمل، جاءت في ظرف غير عادي، طبعه زيارة رئيس الوزراء الإيطالي، ماريو دراغي، وتوقيعه مع الرئيس عبد المجيد تبون، على اتفاق استراتيجي في مجال الطاقة.

وقبل أن يغادر الجزائر، شدد لودريان الذي لعب على مدار الأشهر الأخيرة دور “عون الحماية المدنية” المكلف بإطفاء الحرائق التي أشعلها ماكرون، على ما وصفها “العلاقات التي لا غنى عنها” للتعاون بين فرنسا والجزائر من أجل استقرار المنطقة، محاولا استمالة الطرف الجزائري ودعوته إلى تجاهل كمية الحقد الدفينة التي تأتي من الضفة الشمالية للبحر المتوسط، والتي مصدرها بعض السياسيين المتهورين هناك.

رئيس الدبلوماسية الفرنسية تحدث عن نقاط التلاقي بين البلدين، والتي حصرها في بعض الملفات المتعلقة بالأمن في منطقة الساحل، غير أن مثل هذه الملفات لم تعد تستهوي المسؤولين في الجزائر، إذا كان السياسيون في باريس قد حولوها إلى مجرد شعارات، مقابل قضايا تحظى باهتمام كبير في الجزائر، على غرار القضية الصحراوية، إذ يبقى الموقف الفرنسي قريبا من موقف نظام المخزن المغربي بهذا الخصوص.

زيارة لودريان إلى الجزائر تعتبر الثانية من نوعها في ظرف خمسة أشهر، والغريب في الأمر أنها جاءت على أنقاض زيارة ملغاة أكثر من مرة لرئيس الوزراء الفرنسي، جون كاستاكس، وهو ما يؤشر على أن السلطات الجزائرية تنظر إلى وزير الخارجية الفرنسي، على أنه القناة الدبلوماسية الوحيدة التي بقيت بين البلدين، في ظل الغضب المستحكم في الجزائر من بقية المسؤولين في باريس، بداية بالرئيس المترشح، الذي شتم الجزائريين ذات مرة عندما شكك في وجود أمة جزائرية قبل الاحتلال الفرنسي، وانتهاء برئيس الوزراء، كاستاكس، الذي كان له نصيب من هذه الأزمة نظرا لمشاركته بقسط من مسؤولية تأزيم العلاقات الثنائية، في أفريل المنصرم بسبب سوء تحضيره لزيارته للجزائر حينها.

وتحاول فرنسا إعطاء دفعة جديدة لعلاقاتها مع الجزائر بعد الأزمة الدبلوماسية الخطيرة التي ضربت العلاقات الثنائية، غير أنها تبدو عاجزة بسبب غياب الانسجام في مواقف بعض المسؤولين الفرنسيين (الرئيس ورئيس وزرائه خاصة)، وهو ما تسبب في خسارة باريس الكثير من الامتيازات التي كانت تتمتع بها في الجزائر، فيما تقدم آخرون على هذا الصعيد، والإشارة هنا إلى إيطاليا، التي عرفت برزانة وحنكة مسؤوليها اختيار الوقت المناسب في كسب ود الجزائر، كدولة محورية وقوة إقليمية لا مناص عنها في حوض البحر الأبيض المتوسط.

ورغم محاولة لودريان إبعاد ملف الطاقة في زيارته أو على الأقل تهميشه في التصريح الذي أدلى به من الجزائر، إلا أنه اعترف في الأخير بأنه كان حاضرا في محادثاته مع المسؤولين الجزائريين، عندما قال إن الصراع الدائر في شرق القارة الأوروبية له “عواقب وخيمة من حيث تنويع إمدادات الطاقة للأوروبيين”، علما أن فرنسا تشغل حاليا منصب الرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي.

ويبحث الأوروبيون عن مصادر أخرى بديلة للغاز الروسي، غير أنهم اقتنعوا بأنه لا مناص لهم من الغاز الجزائري، وهي المقاربة التي فهمتها إيطاليا وعملت بها، غير أن مدريد وباريس لم يقدما ما يجب من أجل تبوء الموقع الذي احتلته روما، فهل تمكن لودريان من إقناع المسؤولين في الجزائر، بتمكين بلاده من نصيبها من الغاز الجزائري؟

هذا، هو السؤال الذي يطرحه الفرنسيون اليوم في ظل أزمة طاقة عالمية حارقة. وفق الأرقام المتداولة فإن فرنسا تستورد من الجزائر ما يعادل ثمانية بالمائة من حاجياتها من الغاز، لكنها تنوي التخلص من الغاز الروسي المقدر بـ17 بالمائة مما تستهلكه، فمن أين تحصل عليه ولا سيما بعد أن ظفرت روما بالكعكة؟

كل الطرق تؤدي إلى الغاز الجزائري لقربه ولتنافسية أسعاره، غير أن المشكل هو، هل ستوافق الجزائر على ضخ المزيد من غازها لدولة يتهجم مسؤولوها عليها، بل إنها تقف في طريق الكثير من الملفات الحساسة بالنسبة للجزائر، وفي مقدمتها ملف القضية الصحراوية؟