مكيافيلية سانشيز(بقلم: عالي أحبابي)

وسط مناخ دولي سياسي واقتصادي وأمني مضطرب، وفي أجواء أمريكية أوروبية ملبدة بغيوم الحرب الروسية الأوكرانية ، خرجت اسبانيا الرسمية بتصريحات تعاند الشرعية الدولية في الصحراء الغربية ، وتفتح شهية اقتفاء أثر خياناتها للشعب الصحراوي منذ مؤتمر برلين عام 1884 ، حتى اليوم ، فلم تتوان يوما في صك واستخدام كل الوسائل القادرة على إبادة الصحراويين ، ونهب خيرات بلادهم ، حتى سلمت الراية للاستعمار الثاني ممثلا في المملكة المغربية ، التي ابتدعت من فنون القتل والإرهاب ما لم يخطر ببال بشر ، بيد أن صمود الشعب الصحراوي ووحدة نضاله أبطلا مفعول تلك الدسائس ، وفرضا على إدارة الاحتلال إعادة النظر أكثر من مرة ، ومراجعة المعطيات قبل دراسة طبيعة الصحراويين.وبعد اتفاقية مدريد المشؤومة وما جنته على المنطقة من تداعيات ، دشن رئيس الحكومة الاسبانية ، بيدرو سانشيز ، الطعنة الثانية في ظهر الشعب الصحراوي ، لتتضح ملامح الغدر من جديد ، فاسحة المجال لمزيد من التأزم ،وتعقيدات الحل العادل والنزيه الذي من المفترض أن يحترم إرادة الشعب الصحراوي في الحرية وتقرير المصير ، إنها غفلة من وعي اسبانيا الرسمية ، تبارك خلالها ما يطلق عليه الاحتلال المغربي الحكم الذاتي ، وتغض الطرف عن قراءة نشرة الأحوال الجوية بالمنطقة بعد الثالث عشر من نوفمبر 2020 . صحيح قد ينخدع بالمظاهر مَن لا يعرف البواطن، فتوسمنا خيرا في اسبانيا وحيادها ومسؤوليتها التاريخية وصداقتها للامين العام الأممي في صياغة قرارات مجلس الأمن الدولي ، لكننا اليوم نقف على حقيقة أن مصائب الشعب الصحراوي اليوم تنتج في المخابر الاسبانية ، وتوضع عليها علامة تجارية مغربية ، فضلا عن قراءة سُطُورِ المواقف الرسمية لدى الدولة الاسبانية ، من خلال دعمها لخديج ميت أصلا ، عساها تنفخ في أذنه ، بل نسعى جاهدين للوصول إلى استبصار ما قاله النص بالصمت عن مسؤولية اسبانية التاريخية التي تظل وتبيت تطاردها في منامها ويقظتها.نعم،لم تصمد اسبانيا طويلا جراء ضعف مناعتها السياسية والاقتصادية ، وصارت اليوم أضحوكة بيد مراهقين سياسيين ، فمن الطبيعي أن يحدث كل هذا الخداع والانخداع معا، سيما واسبانيا ومنذ فترة تئن تحت وطأة الابتزاز المغربي بالهجرة السرية والعلنية ، وبتدفق غير مسبوق للمخدرات المغربية ، إضافة إلى ورقة سبتة وامليلية ، هذا إذا ما تحدثنا عن تحكم الجزائر في وجهة غازها وبترولها ، فماذا تريد اسبانيا من المغرب ؟، وماذا تريد من الجزائر ؟ببلادة القرن ، وغباء التوجه عزف رئيس الحكومة الاسبانية سيمفونية المقايضة ، ووضع مواقف بلده في المزاد العلني ، ومن الطبيعي أن السوقين المجاورين على ضفة البحر الأبيض المتوسط متناقضان تماما ، وصادراتهما على خطين متوازيين لا يلتقيان أبدا، فالرباط تمتهن سوق النخاسة وكل حرام مباح ، فلا غرابة أن يكون ثمن الابتزاز باهظا ، وعملة التورط رائجة ، ومبادلات الرشوة رابحة ، وتصدير التوتر بعائدات عالية ، بينما تعتمد الجزائر سوقا نظيفة خاضعة للرقابة الأخلاقية والقانونية، قائمة على الانسجام التام مع الشرعية الدولية ، تعتبر فيها المساومة على المواقف سوقا سوداء تجرمها مبادئ أول نوفمبر ، ومن تراوده نفسه بأن يغازل مواقفها الداعمة لحق الشعب الصحراوي في الحرية والاستقلال ، بضغط أو بيع خارج القانون ، قد يجد نفسه مجبرا على مراجعة َطبيب نفسي .الحكومة الاسبانية اليوم، وبعقلية ما قبل القانون الدولي ، تطلق تصريحات لترسيم الاستعمار في الصحراء الغربية ، وتمضي في سابقة خطيرة جدا على مستقبل الأمن والاستقرار في المنطقة ، متناسية عن قصد أن الشعوب المقاومة والمكافحة ضد الاستعمار هي التي أدخلت التوحش العالمي في سجن القانون الدولي ، وهي التي بفضل صمودها ونضالها أنهت شريعة الغاب التي يعيد سانشيز اليوم النفخ في قربتها المثقوبة .قد يحلو لرئيس الحكومة الاسبانية ومن زاوية مكيافيلية أن يقول ، لا أخلاق ولا مبادئ في السياسة، ويعتبر هذا واقعية سياسية ، وقد يعني من وراء ذلك تفسير الجدية والمصداقية تفسيرا صائبا في نظره الأحول ، ضمن توصِيف لِوَاقعٍ أفرزه الابتزاز المغربي ، أما كونه تنظير لما يجب أن يكون عليه الحل الواقعي في نظر القانون الدولي ، فذاك شأن ليس من اختصاصه ، فالشعب الصحراوي هو من يحدد الحل الواقعي ، ويعرف كيف يرفضه ، وماذا يتطلب من تضحيات ، وكم سيستغرق ذلك من وقت .

بقلم عالي أحبابي ـ مدير جريدة الصحراء الحرة