(بقلم:عالي أحبابي)الدولة الصحراوية حقيقة لا رجعة فيها

تدخل الدولة الصحراوية عامها السادس  والأربعين وفي مخزونها رصيد من الانجازات والمكاسب المتراكمة على تراتبية البناء المؤسساتي ، التي تجسد رسالتها القوية بأنها حقيقة على الأرض ، وبأن الرهان المغربي للنيل من مكانتها إفريقيا وإقليميا اتخذ سبيله إلى مهب الريح , بل إن المتتبع لقمتي الاتحاد الإفريقي الأخيرتين بأديس بابا وبروكسل ، يدرك جيدا أن الدولة الصحراوية أحدثت تغييرات في المواقف الدولية خاصة بعد استئناف الحرب من جديد، وتلك معطيات نتاج  صمود الشعب الصحراوي وبسالة  جيش التحرير الشعبي , وترجمة لعمق وفاء جبهة الأرض المحتلة ، بل هي شرط من شروط ربح المعركة , ومقوم أساس من الأعمدة التي أفضت إلى تغير المعادلات الدولية ، وأبطلت مفعول صفقات الالتفاف على حق شعبنا في استكمال سيادته على ترابه الوطني ، ولم يعد بالإمكان القبول بالروايات والادعاءات الكاذبة التي ظل يقدمها الاحتلال المغربي ضمن نسق هالة المغالطات من أكشاك دبلوماسية أطلق عليها قنصليات ، ومن لعب بألفاظ تقرير المصير وربطه بنشوء الدولة من عدمه.

نعم وبحكم تفرد الجبهة الشعبية بالريادة وانتزاع تمثيل الصحراويين ، استطاعت فرض مكانة الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية التي تتربع اليوم على عرش خريفها السادس والأربعين ، بعضوية مشرفة في عمقها الإفريقي ، وبمكانتها كعضو مؤسس للاتحاد ، وفاعل بمؤثرات احترام حدود الدول والحفاظ على انسجامها ، عكس ما تصبو إليه المملكة المغربية التي طرقت باب الاتحاد من جديد بعد قضاء فترة العقوبة خارج الحضن الإفريقي ، فسمح لها بالدخول ،بعد تعهدها باحترام الميثاق التأسيس للاتحاد الإفريقي ، لكن انضمام المملكة المغربية إلى الاتحاد الإفريقي والهالة الإعلامية والدبلوماسية التي رافقته تبخرت فعاد رذاذها كصعقة ضربت كل المخططات لترديها هباء منثورا ، فتبرز الرباط مقنعة بلبوس فرنسي يروم وضع حجرة في صباط مشروع تنمية إفريقيا المأمول خلال العام 2063 .

وقبل قمتي الاتحاد الإفريقي الأخيرتين ، قرأنا أن العربدة المغربية الجديدة مجرد إضافات نوعية استهدفت تحولات مفصلية في المشهد الإفريقي ،فجاءت لترسيخ جملة من المغالطات التي تحاول الرباط بفجورها السياسي والإعلامي التأثيث لها , بل لجأت بغرورها إلى حد محاولة لي عنق الحقيقة كاملة، ليتحول الاتحاد الإفريقي الذي وصل به تبني القضية الصحراوية  حد تعيين مبعوث خاص باسم الاتحاد , فسعت الرباط جاهدة وباستعمال وسائل متعددة كي يتحول الاتحاد الإفريقي بحجمه المتنامي إلى مجرد مناكفات عائمة على سطح المقاربات , بغية فرض انفصام قسري بين المعطيات والتفسيرات , وخلق جبهة تشكيك جديدة من صنع فرنسي , وبديكور مغربي .‏

المسألة بتجلياتها المختلفة تطرح عناوين قادمة ، بعد تبني المملكة المغربية لميثاق الاتحاد الإفريقي , وبتلك الخطوة وما تنطوي عليه من إشارات لحرب قادمة نزالها القارة السمراء , وذخيرتها القانون والحنكة والسرعة في التنفيذ , فضلا عن السرية والمباغتة ، وهي مرحلة لم تعد تنفع معها عملية الترقيع هنا أو هناك، ولا المجادلة في المسلمات والبديهيات، وأساسها الجوهري أن المزاج القانوني لعدالة القضية الصحراوية ، وتناغمه مع مبادئ وقيم الاتحاد الإفريقي , يتطلب استمالة منظومات سياسية وإعلامية ، لمواجهة السياسة المغربية المدعومة فرنسيا , حيث  كان الاحتلال المغربي  وسيبقى عدوا أساسيا وحالة استعمارية  قائمة على الأرض، كما هي موجودة في تلوين مجريات الأحداث والتطورات وأجندات العدوان على وحدة وتماسك الاتحاد الإفريقي .‏

وبالقدر ذاته كانت المملكة المغربية وستظل وتبيت شريكا مستوفي الشروط ، بل ومساهما جنبا إلى جنب مع الاستعمار الفرنسي الحالم بالعودة، وبدعم من الكيان الصهيوني لزعزعة أمن واستقرار القارة الإفريقية ، فتحركاتها الأخيرة قبيل القمة الإفريقية الخامسة والثلاثين بأديس بابا ، وقمة الشراكة الإفريقية الأوربية ببروكسل ، تؤكد أن الأفارقة أمام ظاهرة جديدة تستدعي الاستئصال ، قبل المواجهة , إنها ظاهرة البلطجة التي هي في مختلف التحليلات والمؤشرات أحد عناوين الحرب التي شنت وتشن على وحدة الاتحاد الإفريقي، سواء كانت عبر وكلاء الإرهاب أم  عن طريق الداعمين والممولين والمخططين لإغراق المنطقة في توتر هي في غنى عنه .

المؤكد الآن أن دولة الاحتلال المغربي شكلت تجاوزا لكل ما كان معمولا به، وأخرجت قواعد الاشتباك من حيزها الجغرافي بشمال إفريقيا ، لتفرض إحداثيات جديدة بارتدادات ترسم منحنيات إضافية بعوامل ارتكاز معدلة وقائمة على حسم كلي لن يتسع المجال بعدها لكثرة التأويلات، بل سيضع نقاطا مبعثرة على حروف تائهة شكلت فيما مضى مرتعا خصبا لنمو تحليلات طفيلية ومصطلحات متعرجة تتطاول على عدالة القضية الصحراوية .‏

الرد ليس فعلا محددا في  إجراء معين , أو حيز جغرافي أو زماني، بل يمتد في سياقه الأفقي والعمودي، ليحاكي كل الفضاء الذي تم تسخيره من أجل المرافعة عن حق شعبنا في الحرية والاستقلال , بشخوصه وأطرافه ودوله ومحاوره، فالاختبار لم يعد لنفاد صبر الصحراويين ، ولا للعب على توقيت الاختيار، وإنما في إعادة رسم قواعد الاشتباك لتكون قادرة على التعبير عن احتياجات اللحظة الفارقة وما يليها، بغية  إيجاد حد فاصل بين حقبتين وعلى مستوى الإنجاز الميداني المتحقق في دحر الاحتلال وكسر شوكته , ولجم داعميه ومحتضنيه وتمريغ أنوف المراهنين عليه في أوحال وغابات قارتنا العتيدة .‏

لقد سقطت الأوهام المغربية عندما تربع رئيس الجمهورية الصحراوية بين نظرائه الأوربيين والأفارقة ، وترجمت تلك القامة عمق الحقيقة وصلابة المواقف الداعمة لحق شعبنا في تكريس حقيقة دولته المستقلة ، بدءا من مراسيم الاستقبال ، مرورا باللقاءات ، وصولا إلى الوداع ،  فما ذا قرأنا من قمة الشراكة ؟

أولا : الموقف الإفريقي من قضية الصحراء الغربية ازداد صلابة ، بل تحصن بضرورة مرافقة القضية الصحراوية كقضية افريقية تشترط في حلها احترام إرادة الشعب الصحراوي في استكمال سيادته على ترابه الوطني .

ثانيا : تعزيز مكانة الدولة الصحراوية بحضنها الإفريقي كعامل توازن واستقرار في شمال القارة .

اليوم وبعد تلك الهالة وما تلاها من تآمر وكذب , تعيش الدبلوماسية المغربية تحت الصدمة ، وبدت لها وللعالم من بعدها أن سياسة المضي في مسار ذر الرماد في الأعين لم تجن من ورائها غير الخسران ، فقد كانت الأكاذيب الأساس والجوهر الذي اختارته الرباط لتعقيم وضعها الداخلي , وتضليل حلفائها ومشغليها ، ولكن بعد تأكيد الاتحاد الإفريقي على ضرورة احترام سيادة الدولة الصحراوية ، ها هي الدبلوماسية المغربية تبدو مجردة من كل المبررات وعارية بالكامل أمام الوقائع والمستجدات، بل محاصرة بحقائق تسد كل الذرائع ، وتحشرها في زاوية ضيقة ، ترى أوهامها تتكسر وتتحطم وتنهار ، فلا هي تستطيع  الاعتراف بالهزيمة , ولا هي قادرة على التحمل أكثر ، الأمر الذي يضع المحللين والمتابعين أمام حالة مستجدة في التوصيف الدقيق لحقيقة القضية الصحراوية وعدالتها سواء على مستوى الأمم المتحدة أو الاتحاد الإفريقي , أو الاتحاد الأوربي وقرار محكمته فيما يخص الثروات الطبيعية ، فضلا عن تكاثف جهود الصحراويين وقوة إيمانهم بحتمية النصر الذي ترصعه تضحيات الشهداء وبطولات بواسل جيش التحرير الشعبي الصحراوي , وثبات قيم ومبادئ الجبهة الشعبية وانسجامها مع رؤية كل الصحراويين في التمثيل وحق المرافعة عن قضيتهم العادلة .

بقلم عالي أحبابي

مدير جريدة الصحراء الحرة