بصيري: جريمة في انتظار العدالة

  • "عنصر تمثيل الشعب الصحراوي الذي تمتع به بصيري يعد حاسما للعقاب. وإذا تم تأكيد أي من هذه الجرائم فيجب المرافعة والدفاع عن الحقائق التي لا يمكن أن تسقط بالتقادم، ولا يمكن العفو عنها بموجب قانون 1977".

مدريد (إسبانيا) 18 يونيو 2020

الجمعية الدولية لفقهاء القانون من اجل الصحراء الغربية IAJUW

ترجمة: محمد ليمام محمد علي سيد البشير

بُعيد المظاهرات الصحراوية الحاشدة ضد الإدارة الاستعمارية بتاريخ 17 يونيو 1970، وبأمر من السلطات الاسبانية، تم توقيف القائد محمد سيد إبراهيم "بصيري" واقتياده الى مركز للشرطة بالعيون، عاصمة ما كان يعرف بالصحراء الإسبانية، الصحراء الغربية حاليا. لم يُقدم أي توضيح رسمي عما حدث لبصيري. كما لم يُسمع له أي ذكر منذ ذلك الوقت.

وتقول احدى الروايات انه تم تعذيبه اثناء جلسة الاستجواب، ليتم نقله بعد ذلك من قبل ضباط للشرطة الى ضواحي مدينة العيون، اين أُطلق عليه الرصاص، وتمت تصفيته ودُفن بعد ذلك.

يمنع قانون العقوبات المعمول به حينها عمليات الاعتقال غير الشرعية، حيث ان التوقيف لفترة تزيد على أربع وعشرين ساعة كان غير قانوني دون تقديم الموقوف امام العدالة. وحدد القانون نفسه إمكانية افتراض جريمة القتل للذين لم يُعطوا توضيحا عن مكان الشخص الموقوف، او لم يُقدموا اثبات للإفراج عنه، فيحكم عليهم القانون بعقوبة السجن المؤبد. ومع ذلك، فان ذلك الافتراض ينطبق فقط على صاحب الاعتقال بصفته الفردية وليس بصفته موظفا عموميا. وهذا الافتراض الأخير المطلوب لإثبات القتل لم يكن قائما حينها.

إذا تعرض الموقوف لضرر جسدي بسبب الحرمان من الحرية، فان ذلك قد يشكل "تعددا للجرائم"، الى جانب حالة جريمة قتل (قتل متعمد؛ مع سبق الإصرار والترصد)، ويخضع هذا الأخير لعقوبة السجن المؤبد حتى الموت.

ومهما يكن من امر، فإن الحد الأقصى للعقوبات المنصوص عليها قانونيا لها فترة تقادم لمدة عشرين سنة.

وبعد مرور اعوام من الزمن على تلك الجرائم المرتكبة في حق بصيري، تم سن قانون العفو في سنة 1977 خلال فترة الانتقال السياسي. الا ان ذلك القانون لم يهدف بالأساس الى وضع حد لعهد الدكتاتورية، بل كانت غايته افراغ المعتقلات من أولئك الذين ناضلوا ضد الدكتاتورية. الا انه واثناء الدورة التشريعية الخاصة بمناقشة مشروع القانون تمت إضافة العفو. ليس فقط للضحايا ولكن أيضا للجلادين.        

بناء على ذلك، ومن الناحية العملية فإن قانون العفو يفترض سقوط المسؤولية الجنائية للموظفين العموميين وضباط النظام العام عن الجرائم المرتكبة ضد ممارسة حقوق الأشخاص (المادة 2، نقطة و) بما فيه تثبيت ان الفعل الذي بدأ فيه النشاط الاجرامي سيؤخذ عل انه لحظة ارتكاب الفعل (المادة الأولى II). وفي حالة بصيري فإن ذلك يعنى شهر يونيو 1970.

علاوة على ما تقدم، فإنه توجد حجج للدفاع عن أي قانون عفو يسعى للقضاء على جريمة ضد الإنسانية بما يعد لاغي وباطل، وبالتالي غير قابلة للتطبيق كما تشير الى ذلك السوابق القضائية للمحكمة الأوروبية لحقوق الانسان. كما تبين في هذا المنوال فان التطبيق بأثر رجعى لهذه الجرائم يعد قانونيا، لأنه في القانون الدولي العرفي وقانون التعاهد، كانت الجرائم ضد الإنسانية سارية لعدة عقود. وتقادم هذا النوع من الجرائم لا يعود لاتفاقية عام 1968، لكنه يكرس فقط ذلك المبدأ رسميا، والذي كان قائما فيما سبق في القانون الدولي العرفي. جدير بالذكر هنا الى ان المحكمة العليا نفسها، وفي الحكم القضائي المعروف ب "قضية سيلينكًوبتاريخ 2007.10.01  أيدت عدم سقوط الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية بالتقادم، الا ان المحكمة العليا نفسها غيرت معاييرها في الحكم الصادر بتاريخ  2012.02.27  بشأن التحقيق في الجرائم المرتكبة في عهد فرانكو. قائلة بأن جريمة الإبادة الجماعية قد أدرجت في قانون العقوبات لعام 1971 ودخلت الجريمة ضد الإنسانية حيز قانون العقوبات العام2004  مع منع ان يكون  لهما اثر رجعي على ملاحقتهما. وهنا يبرز ان لنا حكمان قضائيان متناقضان صادران عن نفس المحكمة.

 

ما ذكر انفا له علاقة بالموضوع، لأنه في حالة بصيري، سيكون من الممكن دائما تحليل ما اذا كانت عملية الاعتقال والاغتيال ارتكبت بإرادة السلطات الاستعمارية ضد زعيم حركة اجتماعية عريضة، تتشكل من السكان الأصليين لإقليم معنى بالحق في تقرير المصير. القمع المُشار اليه والذي يشكل اعتقال واختفاء بصيري غير القانوني جزء منه، هل يمكن اعتبار ذلك القمع جريمة إبادة جماعية او جريمة ضد الإنسانية؟ لان عنصر تمثيل الشعب الصحراوي الذي تمتع به بصيري يعد حاسما للعقاب. وإذا تم تأكيد أي من هذه الجرائم فيجب المرافعة والدفاع عن الحقائق التي لا يمكن أن تسقط بالتقادم، ولا يمكن العفو عنها بموجب قانون 1977.